عندما صعد الكاتب الروسي الكبير دوستويفسكي إلى القطار الذي كان سيقلّه إلى منفاه في سيبيريا أهداه أحدهم نسخة من الإنجيل وقال له: ربما أنها سوف تنفعك في منفاك. أمضى مؤلف «الإخوة كارامازوف» و«الجريمة والعقاب» قرابة أربع سنوات في سيبيريا ما بين عام 1849 وعام 1853 عاد بعدها مفعما بالإيمان. كان تبدلا عميقا إثر معاناة كبيرة.
وفي عام 1847 كان الشاعر الفرنسي فكتور هوغو معروفا بولائه للنظام الملكي، بل وجرى انتخابه عام 1848 نائبا عن معسكر اليمين في البرلمان ثم كانت تجربة المنفى المريرة عام 1851 إلى بلجيكا ليعود بعدها وقد غيّر معسكره وأصبح جمهوريا متطرفا نعت نابليون بلقب «الصغير».
دوستويفسكفي وهوغو مثالان بارزان في سلسلة طويلة من الأمثلة التي يحفل بها التاريخ عن أولئك الذين انتقلوا من «معسكر» كانوا فيه إلى «معسكر» آخر، بل وإلى «المعسكر الخصم» أحيانا. وكان خلف كل عملية انتقال معاناة وعملية «إنضاج». لكن ما أريد الحديث عنه اليوم ليس روائي روسيا ولا شاعر فرنسا ولا التاريخ وإنما ظاهرة «الانتقال» اليوم من معسكر إلى آخر... و«على نار حامية».
بتاريخ 25 أبريل 2007، أي بعد الجولة الانتخابية الأولى في فرنسا التي حددت نتائجها نيكولا ساركوزي وسيغولين روايال كمتنافسين على الرئاسة في الجولة الثانية الحاسمة بعد أسبوعين من الأولى، قال برنار كوشنر: لم أحب خطاب نيكولا ساركوزي خلال الأسابيع الأخيرة (...). ما قال به مثّل منحدرا خطيرا وما كان ليمكنني أنا شخصيا أن أسلك نفس النهج.
وبتاريخ 22 يناير 2004 قال السيد برنار كوشنر في مقابلة له مع مجلة «لوبوان» الفرنسية، ما نصّه: «لن أكون أبدا ساركوزي اليسار، ولم أخن طيلة حياتي أحداً». مثالان،قريب وبعيد، بين تصريحات أخرى عديدة لنفس الشخص وبنفس الاتجاه.
وبتاريخ 18 مايو 2007 أعلن قصر الاليزيه في عهده الجديد برئاسة نيكولا ساركوزي الذي أصبح رئيسا للجمهورية الفرنسية الخامسة منذ 6 مايو، أسماء أعضاء الحكومة الجديدة برئاسة السيد فرانسوا فيّون. وجاء اسم «برنار كوشنر» فيها كوزير للخارجية. كما ضمّت اريك بيسون في منصب سكرتير دولة وهو الذي كان لفترة طويلة المستشار الاقتصادي للمرشحة الاشتراكية سيغولين روايال. وتسلّم وزارة الدفاع أحد وجوه تيار الوسط هيرفيه موران.
أراد الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي أن تكون الحكومة الجديدة عنواناً لـ «الانفتاح» في عهده. وقد ترجم مقولته إلى الواقع، بل لعب ورقة الانفتاح بقوّة عندما عيّن رشيدة داتي، ذات الأصل العربي وابنة العامل المغربي وزيرة للعدل في حكومة الجمهورية الفرنسية.
وزيرة للعدل وليس مجرد سكرتيرة دولة للهجرة والمهاجرين أو لقدماء المحاربين كما عرفته عدة حكومات سابقة. لقد فعل ساركوزي ما كان قد قاله وكرره اليسار. وشتّان بين من يقول ومن يفعل، بل وفعله بقوة وبجسارة تستحق الإعجاب، رغم أنني لم أقترع له ولم أكن يوما من المعجبين به. مع ذلك، أرى أن تعيينها كـ «حارسة لأختام» الجمهورية الفرنسية يمثل «ثورة ثقافية» على حد تعبير المؤرخ الفرنسي ماكس غالو.
الأمر مختلف بالنسبة للسيد برنار كوشنر الذي بدأ حياته السياسية عضوا في اتحاد الطلبة الشيوعيين في مطلع الستينات عندما كان طالبا في كلية الطب ثم عضوا في الحزب الاشتراكي حتى يوم تعيينه وزيرا للخارجية قبل أيام حيث أقصاه الاشتراكيون من صفوفهم.
أراد الرئيس ساركوزي وهو الذي كان قد قاد حملته الانتخابية على أساس القيم اليمينية التقليدية، أن يكسّر كل القواعد السابقة ويعيّن اشتراكيا معروفا كوزير للخارجية في أول حكومة بعهده. لا شك له حساباته عبر ذلك. أما برنار كوشنر فقد أراد أن يحقق حلما راوده طيلة مسيرته السياسية ولم يحققه له اليسار. إنه لم يحظ في مختلف الحكومات اليسارية بأكثر من سكرتير دولة ما عدا استثناء واحد كوزير للصحة ولفترة شهور قليلة.
لعلّ الأمر مفهوم على الصعيد الإنساني فالبشر يسعون لتحقيق أحلامهم، لكن ما يثير المفاجأة، بل والإحساس بـ «الترنح» هو سرعة الانتقال من معسكر إلى آخر دون التوقف ولو قليلا في بعض «المحطّات» بين المعسكرين.
ولكن أخذ مسافة بسيطة من الأمر يجعل الصدمة أقل، إذ يبدو أن الأمواج المضطربة لم تكن إلا على مستوى السطح فقط. وإن ما جرى هو أقل اضطرابا بكثير في العمق. ذلك أن برنار كوشنر هو في حالة قطيعة «مستمرة» مع حزبه. وكان قد عبّر عن ذلك بوضوح في مقابلة له مع مجلة «نوفيل ايكونوميست» بتاريخ 8 يوليو 2005 عندما قال: «لا أقوم اليوم بعمل أي شيء في الحزب الاشتراكي وآمل أن أعود لعمل شيء ما، لكن لا أحد يطلب مني ذلك. لا يهم إذا كانوا لا يريدونني بينهم».
المسافة «ابتعادا» من اليسار واضحة في هذا التصريح، وهناك مسافة واضحة أخرى، وإنما «اقترابا» من الاتجاه الآخر عندما قال في نفس المقابلة: «الحقائق لا تخضع لتحديد مواقعها، فعندما تشير الساعة إلى الثانية عشرة ظهرا، فإن الأمر لا يتغير بشيء إذا كان المرء يقف على اليمين أو على اليسار».
كذلك، وفيما هو أبعد من الفرز الإيديولوجي بين اليمين واليسار، تسمح القراءة المتعمقة في أقوال وكتابات وتصريحات برنار كوشنر خلال السنوات الأخيرة برؤية الكثير من التقارب، بل و«التلاقي» الكامل أحيانا، مع الخطاب الذي تبناه رئيس الجمهورية الفرنسية المنتخب نيكولا ساركوزي خلال السنوات الأخيرة حيال مجمل القضايا الخارجية بل والداخلية.
ولنبدأ بما يهمنا ويعنينا مباشرة، أي قضايا الشرق الأوسط. إن المواقف التي أفصح عنها الرئيس الفرنسي الجديد كما بدت في تصريحاته المعلنة تتماشى إلى حد كبير مع أطروحات برنار كوشنر. هناك أولا القرب من إسرائيل والتأكيد على أهمية أمنها أولا وأساسا. بل وبتحديد أكثر تقترب مواقفهما أكثر من اليمين مما هو من اليسار في إسرائيل، وبالطبع تقترب أكثر في الحالتين مما هو مع الفلسطينيين بشتى مناهلهم ومشاربهم.
بالنسبة للعراق كان الرئيس الفرنسي الحالي عند زيارته للولايات المتحدة في صيف عام 2006، قد وصف موقف بلاده وتهديدها باستخدام حق النقض -الفيتو- ضد الحرب على العراق في ربيع عام 2003، أنه موقف «متغطرس». ويمكننا أن نقرأ لبرنار كوشنر عدة تصريحات متشابهة في مضمونها منها ذاك الذي قاله لمجلة الاكسبريس بتاريخ 9 أكتوبر 2003 وجاء فيه: «لقد دعمت الأمريكيين كي يطردوا صدام حسين. فكيف تريدونني أن أمثّل بلادي من جديد على المسرح الدولي وأنا كنت قد أعلنت خلافي مع موقفها الرسمي».
وهناك العديد من الشواهد على التقارب في المواقف حيال العلاقة مع أميركا وروسيا ومستقبل أوروبا، وقضايا العالم الأخرى.
أما على الصعيد الداخلي، وكإشارة سريعة يمكن القول دون الخوف كثيرا من الوقوع في الخطأ أن برنار كوشنر هو أكثر ليبرالية من الرئيس ساركوزي فيما يخص الملفين الاقتصادي والاجتماعي ودور الدولة.
في المحصلة، واعتمادا على ما سبق، يتبدّى أن الدبلوماسية الفرنسية هي أكثر انسجاما مما ينم عنه «الإطار الظاهري» من تناقض عبر الجمع بين اليمين واليسار. فالكلّ يجدّف بنفس الاتجاه.
لكن هناك مسألة جوهرية لا بد من قولها، للابتعاد عن المواقف الإيديولوجية المدانة حكما كون أنها إيديولوجية، وهي أن مسؤوليات الحكم والمصالح العليا هي الأكثر فعلا وتأثيرا في توجيه سياسات الدول، وحسابات الأشخاص تميل للانحناء أمام رياح الواقع.
إن التطور أمر إنساني مفهوم، ومطلوب أكثر من انغلاق الذهن مرّة واحدة وإلى الأبد. أولئك الذين انفتحوا على آفاق جديدة، لم تكن في الأصل آفاقهم، هم مبدعون وليسوا خونة. العالم من حولنا يتطور... ونحن نتطور... إنما «على نار هادئة».
كاتب سوري ـ باريس
