حملة الاعتقالات التي شنتها قوى الامن الاسرائيلية في الضفة الغربية الليلة قبل الماضية وشملت ما يزيد عن الثلاثين مواطنا فلسطينيا من بينهم وزير التربية والتعليم العالي وعدد من النواب واعضاء المجالس البلدية تحت ذريعة استمرار اطلاق صواريخ القسام - هذه الحملة تعتبر تعسفية بكل ما في الكلمة من معنى.

ولا تخرج عن اطار حملة الاعتقالات واسعة النطاق التي جرت عقب اسر الجندي الاسرائيلي جلعاد شاليت في حزيران من العام الماضي لان المقصود في الحالتين هو ممارسة ضغوط سياسية على حركة »حماس« اولا من اجل اطلاق سراح شاليت وحاليا لوقف اطلاق الصواريخ محلية الصنع من قطاع غزة على النقب الغربي وبلدة سديروت خاصة.

ومن الواضح ان الحكومة الاسرائيلية من خلال ممارساتها الجائرة في الضفة والقطاع تستخدم اسلوبين في الضغط على الشعب الفلسطيني الواحد في جناحي الوطن: ففي غزة هناك الغارات الجوية المستهدفة والقصف المدفعي والعمليات العسكرية المباشرة اما في الضفة فان الاسلوب الاسرائيلي المفضل هو التصفية الجسدية للناشطين والاعتقالات المكثفة وتقييد حركة التنقل بين المدن والقرى الفلسطينية .

وتدرك اسرائيل ان وحدة الشعب الفلسطيني هي مفصل الالم الذي تفضل استثارته على امل تحقيق اهدافها الامنية فما يحدث في القطاع متردد اصداؤه في الضفة، وما يقع في الضفة تتجاوب احداثه في القطاع الصامد ومن هنا فان الحكومة الاسرائيلية تضغط هنا وهناك وان تنوعت الاساليب فان الغاية واحدة وهي التوصل الى انجاز اهدافها بكل الوسائل الممكنة والمتاحة لها.

والسؤال المطروح امام الاسرة الدولية في ضوء حملة الاعتقالات الجديدة هو: لماذا تستهين اسرائيل الى هذا الحد بالسلطة الفلسطينية والاطارات السياسية المنتخبة من قبل الشعب الفلسطيني من خلال عملية ديمقراطية شهد العالم كله بنزاهتها وشفافيتها؟

ان هذا التصرف غير القانوني يجب ان يواجه بما يستحقه من الادانة والاستنكار من قبل كافة القوى التي تنادي بالديمقراطية وحقوق الانسان حتى لا تتهم هذه القوى وبعض هذا الاتهام صحيح بانها تكيل بمكيالين وتنتقي المعايير التي ترضي الطرف الاسرائيلي على حساب مبادئها والقيم التي تنادي بها.

ان المواطنين الذين اعتقلتهم اسرائيل سابقا ولاحقا لم يحملوا السلاح ولم يمارسوا العنف وانما هم ناشطون سياسيون دخلوا المجال النيابي والوزاري والمجالس المحلية على خلفية برامج وافكار معينة وحازوا ثقة المواطنين بشكل شرعي من خلال صندوق الاقتراع ومن المفروض ان لا يحاسب الانسان على افكاره ومبادئه السياسية وانما على ما يقوم به على افتراض ان المنطلقات الاسرائيلية يمكن ان تكون ارضية قانونية لمحاسبة ابناء الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال.

ومن هنا فمن الواضح ان السلطات الاسرائيلية التي قامت باعتقالهم انما مارست عملية اختطاف غير قانونية الهدف منها هو الضغط والحصول على تنازلات كائنة ما كانت ومهما حاولت هذه السلطات تبرير هذا العمل او تحسين صورته فهو لن يخرج عن كونه نوعا من الابتزاز السياسي المرفوض على صعيد القانون الدولي والممارسات الحضارية بين الدول والشعوب.

واذا كانت اسرائيل راغبة حقا في السلام والامن فان الطريق مفتوح امامها على اتساعه للعودة الى المفاوضات استنادا الى مبدأ انهاء الاحتلال ومقايضة الارض بالسلام وهناك مبادرة عربية مطروحة على الطاولة يتوجب قبولها وتنفيذها وليس من المعقول ان تهرب الحكومة الاسرائيلية بسبب ضعفها وتضاؤل تأييد الشارع الاسرائيلي لها من طروحات السلام الى المزيد من الممارسات التعسفية ضد الشعب الفلسطيني مما يزيد التوتر توترا والتعقيد تعقيدا ويغلق الباب باحكام في وجه التهدئة والاستقرار الشامل.

واخيرا لا بد من القول ان الجانب الفلسطيني ايضا مطالب باعادة النظر في مسألة اطلاق صواريخ القسام المحلية على اسرائيل وهي ما وصفها الرئيس عباس بانها »عبثية« و تخدم الجانب الاسرائيلي في تصعيد هجماته متسترا بهذه الذريعة.