تظل القيم والمبادئ الديمقراطية والإنسانية أساس التزام قيادتنا السياسية تجاه القضايا والأحداث المتفاعلة داخل ساحتنا الوطنية.وتتجلى في كلمة الأخ الرئيس علي عبدالله صالح، رئيس الجمهورية، في المهرجان الذي شهدته محافظة إب - بمناسبة العيد الوطني السابع عشر - التعبيرات المؤكدة للتمسك بأخلاقيات الممارسة السلمية، كما وردت في دعوته القوى والمكونات السياسية والاجتماعية للحياة اليمنية إلى الحوار الوطني.

وتتجدد الدعوة إلى الحوار على الرغم من النكران والجحود والانقلاب على ما نجم عنه من مواثيق وعهود، كما فعل أتباع عصابة الإرهاب والتخريب في بعض مناطق صعدة.وعلى الرغم أيضاً من تجارب سابقة بطعم المرارة وتشوهات التجرد من كل القيم والأخلاقيات والمدفوعة بنوازع ودوافع مؤامرة الردة الانفصالية يأتي التجديد اليوم للدعوة إلى الحوار.

ومنبع ذلك قناعة متحضرة تتفاعل وتتعامل وفقها قيادتنا السياسية مع مجريات الأحداث ومتغيراتها المتوقعة والطارئة من موقف مبدئي قادر على فرز وتحديد أوجه السلبية والاحتفاظ بالقدرة على الإيجابية في الرد عليها ومواجهتها.وتتأتى الإيجابية في عدم الخلط بين القيم والممارسات ومن ثم التذرع بالسلوك الخاطئ أو العدواني لإظهار رد فعل معاد للقيم.

وليس العيب وفق هذا المنطق القويم في المبادئ الأخلاقية وإنما في المسالك غير الأخلاقية ومزيد من التمسك، والثبات على خيارات الرد الأخلاقي عليها يمثل واحداً من أقوى وأنجع أساليب ووسائل مواجهة الرد الأخلاقي والقضاء عليها.وإذا كان هناك أمر غير معروف أو يصعب على الأفهام استيعابه فإنه موقف كل طرف يفتقر إلى الشعور بوجود أي رابط من ودًّ يصله بالحوار فيرفض الاستجابة لدعواته وإن قبل يتنكر لنتائجه بل يعمل على نسفها.

ووجه الغرابة في ذلك أن من يتمرد على الحوار إنما يعادي نفسه أو يتعدى على حقها في الحياة المطمئنة الآمنة، طالما أن الحيلولة دون الوصول إلى نقطة الاصطدام والصراع وحقن الدماء موضوع الحوار وغايته.فلماذا لا يكون الحوار قبل أن تقع الواقعة وليس بعدها؟

وذلك هو السؤال المنطقي الذي انطلق وأطلق منه الأخ الرئيس علي عبدالله صالح دعوته الجديدة للحوار.وللسؤال صيغته الأخرى التي تثير مسألة عدم الإقبال على الحوار من قبل والعمل على إفشاله، طالما كانت المطالبة والقبول به من بعد أمراً وارداً ومحتوماً.ولماذا الحوار بعد أن يسفك الدم؟

وترد إجابة السؤال ببساطة شديدة سبب الفشل وإمكانية التوفيق والنجاح إلى حضور أو غياب القضية الوطنية عن طاولة الحوار.وحين يطغى الذاتي على العام وتسبق المصالح الخاصة المصالح الوطنية في أولويات الحوار واستحكامها في دوافع ومرامي طرف من أطرافه يكون الانهيار والوقوع في المأساة.ولذلك يكون الحرص على إلحاق صفة الوطني بالحوار والتأكيد عليه قاعدة لمنطلقه الإيجابي ومعطياته ونتائجه المثمرة.

وفي ظل الديمقراطية التي فتحت الساحة اليمنية على إطلاقها أمام حرية التعبير وحق الممارسة السياسية الحزبية والاستقطاب الانتخابي للتأييد الجماهيري الواسع يصعب على مواضيع مثل المساومة والابتزاز وانتزاع مصالح غير مستحقة من الغير أن تندرج في جدول وأجندة الحوار الوطني. ولا جدوى من الحوار في أجواء الإصرار على سلوك أخلاقيات المزايدة والبطالة السياسية وتفضيل التكسُّب من الديمقراطية على اكتساب الجدارة في ظلها.ويظل الارتهان السياسي العدو الأول للحوار الوطني.. وحوار لا تحكمه القضية الوطنية محكوم عليه بالضياع سلفاً.