عندما تذكر كلمة افريقيا فإن الذهن يستدعي علي الفور كلمة مصر‏,‏ ذلك أن الارتباط بين الاثنتين ـ مصر وإفريقيا ـ هو ارتباط وثيق‏,‏ ولا يعود ذلك فقط لمجرد أن مصر من حيث المكان هي جزء من الشمال الإفريقي‏,‏ ولا لأن تاريخ مصر يستمد جذوره من التاريخ الإفريقي‏,‏ ولا لأن شريان الحياة للمصريين‏(‏ الذي هو نهر النيل‏).‏ يبدأ من قلب القارة السمراء‏..‏ لا ليست المسألة مجرد جغرافيا وتاريخ ومصالح فحسب إن الأمر أعمق من ذلك بكثير حتي أنه يمكننا التجرؤ بالقول إن مصر هي إفريقيا‏,‏ وإفريقيا هي مصر‏,‏ وأن ارتباطهما فوق اعتبارات الزمان والمكان‏!‏

وقد وعت مصر الرسمية‏(‏ أي حكام مصر وقادتها وزعماؤها‏)‏ هذه الحقيقة منذ فجر التاريخ‏,‏ وبالتالي كانت الدائرة الافريقية في السياسة الخارجية المصرية واحدة من أهم دوائر هذه السياسة‏.‏وبمناسبة احتفال القارة الافريقية أمس بيوم إفريقيا ـ الذي يأتي كل عام في‏25‏ مايو وهو اليوم الذي انطلقت فيه منظمة الوحدة الإفريقية منذ‏44‏ عاما ـ فإن المقام يقتضي التذكير بهذا الرباط المقدس بين مصر وقارتها السوداء‏.‏

والواقع أن هذا الارتباط ليس مجرد شعارات أو خطب بلاغية عصماء بل هو رباط مصلحة ومصير وآمال مشتركة‏.‏ ولهذا فإن مساهمة مصر في حل مشكلات القارة التي تنتمي إليها أخذت مظاهر عديدة‏,‏ وعلي سبيل المثال تقدمت مصر بالعديد من المبادرات والجهود لتسوية النزاعات والخلافات الإفريقية المختلفة في مناطق دارفور وجنوب السودان والصومال وتشاد وبوروندي وسيراليون‏.‏

وبالإضافة إلي ذلك كان اهتمام مصر دائما يتركز علي الإنسان الإفريقي فقدمت خططا لإنشاء المركز الإفريقي لعلاج الأمراض المتوطنة والإيدز‏,‏ واقامة المركز الإفريقي للبحث العلمي والتكنولوجيا‏,‏ ومبادرة التعليم المتطور‏,‏ وأبحاث التربة والاستفادة القصوي من مياه نهر النيل‏.‏ وعلي المستوي الدولي فإن مصر تتولي تنسيق جهود المجموعات الإفريقية في الأمم المتحدة وبعثات حفظ السلام‏..‏ كما شاركت مصر بفاعلية في كل القمم الإفريقية ـ الافريقية‏,‏ أو القمم بين الدول الإفريقية وبقية المجموعات الإقليمية الأخري في العالم‏.‏

وكما أن مصر تتبني منهجا متعقلا هادئا متزنا في حل المشكلات العربية فإنها تتبع هذا النهج نفسه في حل مشكلات القارة السوداء‏,‏ وكان هذا المنهج هو ما أقرته بقية الدول الإفريقية‏,‏ خاصة فيما يتعلق بتبني رؤية متكاملة لمفهوم السلام‏.‏ وإذا كانت مصر قد قادت شعوب إفريقيا في الخمسينيات لتصفية الاستعمار والحصول علي الاستقلال‏,‏ واستضافت علي أراضيها مقرات حركات التحرر‏,‏ فإنها اليوم مؤهلة وبامتياز لقيادة القارة السمراء من جديد نحو تحقيق تنمية شاملة تحقق لجميع الشعوب السلام والرفاهية والتقدم في إطار من العمل الجماعي والتعاون المثمر مع جميع المناطق الأخري في العالم‏.‏