ينفجر الوضع في لبنان دوما بسيناريو متشابه منذ عقود طويلة: حوادث أمنية مثل سرقات مصارف أو اغتيالات أو اشتباكات محدودة تتطور إلى مواجهات شاملة.
أما التوقيت فهو كلمة السر المتكررة دوما في كل ما تعرض له لبنان طيلة عقود. شاهدنا ذلك قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 الذي مهدت له سلسلة من عمليات تفجير السيارات المفخخة العشوائية. أما الحرب الأهلية فقد بدأت بحادثة الباص الشهيرة في عين الرمانة في 13 ابريل 1975 واغتيال معروف سعد في تظاهرة الصيادين في مدينة صيدا جنوب لبنان.
وسيبدو استذكار التاريخ باعثا على مفارقة ساخرة عندما نجد أن سرقات المصارف في سبعينات القرن الماضي من قبل تنظيمات يسار متطرف صغيرة تتكرر الآن في الألفية الثالثة على يد تنظيمات أصولية تبدو للكثيرين اقرب للواجهات. ثمة قاسم مشترك هنا في حالة لبنانية تبدو اقرب للقدر الذي لا فكاك منه.
فالمواجهات الدائرة الآن بين الجيش اللبناني وتنظيم فتح الإسلام تفجرت بعد أيام قليلة من سرقة فرع لمصرف في شمال لبنان تبين ان منفذيه من عناصر هذا التنظيم. ومن هذه البداية ستقودنا مئات التفاصيل الى الاستنتاجات نفسها التي ظلت لصيقة بالتاريخ اللبناني: دور خارجي.
لماذا تندلع المواجهات في مخيم فلسطيني في شمال لبنان؟ هذا السؤال يعيدنا الى إشكال تاريخي عاشه لبنان واختبره بأثمان باهظة الكلفة هو الوجود الفلسطيني. لقد مثل الوجود الفلسطيني دوما عنصر تأزيم في الوضع اللبناني، وعدا اسرائيل وحربها التي لم تتوقف على لبنان طيلة عقود بسبب هذا الوجود، فان هذا الوجود كان ولا يزال أداة مثالية للتأثير في لبنان. لكن من جديد ثمة مفارقة هنا: في السبعينات كانت التنظيمات الفلسطينية المنضوية تحت لواء منظمة التحرير او المنشقة عنها والآن التنظيمات الاسلامية الجهادية.
ثمة أكثر من تنظيم من هذا النوع في المخيمات الفلسطينية في لبنان، لكن تنظيم فتح الاسلام يبدو غريبا عن السياق العام الذي نشأت فيه التنظيمات الفلسطينية الاخرى. الدليل هو هذه السرعة التي برز فيها هذا التنظيم قبل نحو عام والسرعة والحزم في التبرؤ منه من قبل التنظيمات والمرجعيات الفلسطينية في لبنان.
ابعد من هذا، يتحدث ممثلو هذا التنظيم بلغة لا تستقيم مع تنظيم ظهر فجأة اثر انشقاق في تنظيم فلسطيني آخر. فهم يتحدثون بلهجة فيها قدر كبير من المبالغة في الإصرار على القتال والتهديد بنشر المعركة ومدها إلى مناطق أخرى من لبنان، أما العدو هنا فهو الجيش اللبناني وهو ما يضع هذا التنظيم أمام سؤال هام وحاسم: لماذا أصبح الجيش اللبناني هو العدو الذي يتعين مقاتلته الآن؟.
هذا السؤال يضعنا مباشرة أمام الأهداف التي يرمي إليها هذا التنظيم: هل هو تنظيم يقاتل إسرائيل أم أنه يقاتل الجيش اللبناني والدولة اللبنانية؟.
هذه الأسئلة تبدو ضربا من العبث بالنسبة للبنانيين، فهم يشيرون دون مواربة إلى سوريا، أما التوقيت فهو السر: افتعال أزمة لعرقلة قرار إنشاء المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة رئيس وزراء لبنان الراحل رفيق الحريري.
لكن هذا التصعيد يتجاوز هذا كله عندما يعيدنا إلى خلل بنيوي كبير ظل يعيد إنتاج الأزمات المتعاقبة في لبنان حتى اليوم. أولها طبيعة العلاقات بين سوريا ولبنان.
لم تعد المخيمات الفلسطينية محكومة بأفق الصراع الفلسطيني الاسرائيلي نفسه ولم تعد الخلافات الفلسطينية وما يترتب عليها من انشقاقات مثلا مرتبطة كليا بالوضع الداخلي الفلسطيني والنقاش الوطني العريض حول مواجهة إسرائيل واستحقاقات المرحلة، بل خرجت عن هذا الإطار لتتقاطع مع الظاهرة الجهادية التي تنشط في أكثر من بلد عربي في الوقت الحاضر. وهي هنا تفعل من الخلط الشيء الكثير وهو ما يلحظه حازم صاغية في جانب مسكوت عنه هو الاصلاح الديني ومصالحة الإسلام مع واقع الدول الوطنية. (حازم صاغية: ابعد من مواجهات الشمال اللبناني- الحياة 22 مايو).
يرصد صاغية أيضا ما يسميه «تقاطعا بين نظم عربية وفرق الإرهاب» أيضا، لكنه أيضا يرصد إخفاقا للدولة اللبنانية وعجزها عن النهوض امنيا واقتصاديا وتعليميا مستنتجا ان هذا يوسع جيوب الفقر والحرمان والأمية مضاعفا قدرة تنظيمات مثل القاعدة وفتح الاسلام على الاستثمار والاستقطاب. يمتد العجز أيضا حسب صاغية إلى الدول العربية ومن ورائها الوعي العربي وشائعة عن توفير حل معقول لمشكلة الفلسطينيين في بلدانهم، ناهيك عن ثقافة شائعة تجيز في الحالة اللبنانية حمل السلاح وانتشاره.
هكذا يعيدنا هذا التصعيد الأمني المحفوف بكل المخاوف من تطوره الى انفجار اكبر يولد نزاعا ممتدا، الى الآليات نفسها التي ظلت تنتج الأزمات والحروب في هذه المنطقة. فالأزمات والحروب تخاض أحيانا من اجل الهروب من استحقاقات اكبر داخليا.
كاتب بحريني