قبل كل شيء فإن أول ما يتطلبه العقل والمنطق والضمير ـ أن بقي في هذا الزمان عقل أو منطق أو ضمير ـ هو وقف الاحتكام للسلاح واستباحة الدم اللبناني والفلسطيني في أزمة نهر البارد التي حصدت من أرواح الطرفين المتصارعين ومن المدنيين عددا كبيرا فضلا عن الجرحى والمشردين للمرة الثالثة من بيوتهم التي لا تكاد تقيهم لهيب الصيف ولا برد الشتاء.
لن ندخل في مناكفات حول هوية ما يسمى ـ فتح الإسلام ـ وفيما إذا هو تنظيم فلسطيني أو دولي أو تنظيم جهادي أو إرهابي فالأمور ستتضح بعد انقشاع غبار الدبابات ودخان المدافع اللبنانية التي دكت بيوت ومساجد وسيارات الإسعاف التي حاولت دخول مخيم نهر البارد. لكن المؤكد انه ليس أهون على العربي من دم أخيه العربي كما ليس اشد مضاء من سلاح المسلم على أخيه المسلم خصوصا عندما يتحول إلى يد حربة بيد الأعداء وما أكثرهم في يومنا هذا.
وسؤال قد لا يكون بريئا نطرحه على بعض المسؤولين اللبنانيين أين كان الجيش العربي اللبناني وقوات جيش الإرهاب «الإسرائيلي» تستبيح سماء وبحر وأرض لبنان ؟ ولماذا لم يثأر لمجزرتي قانا الأولى والثانية وغيرهما من المجازر الصهيونية التي لم ولن تتوقف طالما لم تجد من يوقفها أو يرد على الدم العربي المستباح في أكثر من مكان عربي وإسلامي.
وإذا كان الحسم العسكري الذي يؤكد عليه بعض المسؤولين اللبنانيين والتصميم على اجتثاث جذور الإرهاب ـ الذي أصبح شماعة ومبرراً بعد 11سبتمبر لكل مخالف أو معارض أو مقاوم ـ إذا كان به تحسم الأمور فلماذا لم يجد البعض سلاح الجيش يشرعه في وجه الذين دكوا بيروت وضواحيها وحرقوا الأخضر قبل اليابس في يوليو 2006؟
من يستمع لشهادات الفارين بأرواحهم من مخيم نهر البارد إلى مخيم البداوي ـ وهم أكثر من نصف سكانه ـ يدرك أن هناك أبعاداً أخرى خفية غير القضاء على تنظيم «فتح الإسلام» والذين لا يزيد عددهم على 150 فرداً ينتمون لجنسيات عربية وغير عربية. كما أن أمن المخيمات الفلسطينية حسمه اتفاق القاهرة عام 1969 بين لبنان والفلسطينيين والذي يقضي بعدم دخول الجيش اللبناني إلى المخيمات الفلسطينية وبعدم انتشار السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وأن يتولى الفلسطينيون حماية أمنهم داخل مخيماتهم بأنفسهم.
إن الأصابع الأميركية والإسرائيلية ليست بريئة مما يجري في نهر البارد فهذه الأصابع هي التي تطلق الرصاص على الكثيرين من العرب والمسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان ولبنان وغيرها بدعوى محاربة الإرهاب واجتثاثه. وهي نفسها الأصابع الإسرائيلية التي تعتقل أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني والوزراء وقادة حماس السياسيين وتدمر كل شيء في غزة والضفة الغربية بدعم وحماية أميركية كاملة.
أخيراً أين كانت فرنسا ـ الأم الرؤوم ـ وجيش الاحتلال الصهيوني يجتاح بيروت العاصمة ويرتكب ـ برعايته وبأيد لبنانية ـ مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها أكثر من 4000 مدني لبناني وفلسطيني رغم ضمانات المبعوث الأميركي فيليب حبيب والذي قاد المفاوضات لخروج قوات الثورة الفلسطينية من العاصمة بيروت عام 1982.
وللذكرى فقط فإن هذا الاجتياح وهذه المجازر وقعت بعد انسحاب مفاجئ للقوات المتعددة الجنسيات من بيروت الغربية والتي كانت تضم قوات فرنسية وأميركية وايطالية. ولعل وزير الخارجية الفرنسي الجديد «برنار كوشتنير» الذي هرول إلى بيروت لدعم حكومة السنيورة والجيش اللبناني يتذكر ذلك جيداً.