أفول الحقب والأفكار والقوى مشهد يغري أي محلل سياسي بالوقوف أمامه طويلا لما ينطوي عليه من دروس وعبر وأحيانا مفارقات، ومن الأمثلة التي تجسد هذه الظاهرة ما يشهده شرق أوروبا من تحولات أسفرت أولاً عن ميلاد ما كان الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك يسميه متهكما «الديمقراطيات الجديدة»، وما تلاها من ثورات برتقالية ناجحة وفاشلة في جزء من العالم كان لعقود متتالية جزءا من «المجال الحيوي» للإمبراطورية السوفييتية وبعضه كان لقرون معذبا بالصراع الألماني الروسي مثل بولندا التي تغيرت حدودها مرات وانكمشت خارطتها وتوسعت على إيقاع صعود وهبوط القوتين الأوروبيتين.

هذا الشرق يشهد ظاهرة مثيرة يمكن أن نطلق عليها «الحرب الباردة» الروسية البولندية وهي كافية لتلخيص التحول الكبير الذي يتصاعد في شرق أوروبا بعد أن أفلت الإمبراطورية السوفييتية وتبعها أفول حقبة ومعها أفكارها ورموزها.

ربما لو تخيل روائي هذا المشهد قبل انهيار الاتحاد السوفييتي لاعتبر صاحب خيال جامح بأكثر مما يمكن احتماله، فبولندا التي كانت أحد أهم أعضاء حلف «وارسو» الذي حمل اسم عاصمتها تمر هذه الأيام بالمرحلة الأخيرة من عملية تغيير شاملة أصبحت فيها أقرب ما تكون للولايات المتحدة عدو الحرب الباردة القديمة، وبالقدر نفسه أصبحت «بولندا الجديدة» أبعد ما تكون عن روسيا حليفها القديم وهي فضلا عن ذلك الجار التاريخي الذي تربطه بها حدود مشتركة.

وفي إطار عملية تغيير الجلد هذه تستعد لإزالة آخر التماثيل والنصب الشيوعية، فقد تقدم وزير الثقافة البولندي كازيميريز اوجازدوفسكي بمشروع قانون يهدف إلى إزالة التماثيل والنصب وأسماء الشوارع وكافة رموز الحقبة الشيوعية التي لا تزال ماثلة في الحياة العامة في بلاده. وهو يعلق على القانون قائلا: «ليس هذا قانونا للانتقام، بل لحفظ الكرامة الوطنية، فهو يمنح السلطات المحلية إمكانية إزالة الرموز التي تمجد الديكتاتورية النازية أو الشيوعية»، لكن مسار تحولات السياسة الخارجية البولندية مؤخرا يجعله يبدو على الأرجح قرارا انتقاميا، لكن الأهم أنه يضم إلى الرموز الشيوعية الرموز التي تمجد النازية، وكأن بولندا تعيد صياغة نفسها وفقا لشروط ديمقراطية لا تقبل التسامح مع أي رموز تتعارض مع «بولندا الجديدة».

ويعقب مشروع القانون نزاع شديد دار في استونيا حول نقل نصب سوفييتي وهو ما أدى إلى أزمة حادة بين روسيا وأستونيا، الجمهورية السوفييتية السابقة التي أضحت عضوا في الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي وهي في إطار هويتها الجديدة تشهد حالة أقل تشددا من إعادة بناء الذات بعيدا عن ماضيها السوفييتي.

وما يجعل الموقف البولندي أكثر وضوحا أنها قبل أيام من هذا التوجه لتقنين إزالة هذه الرموز كانت في مواجهة موسكو لكن في معركة من معارك الحاضر، فقد أحبطت بولندا اتفاقية الشراكة الأوروبية ـ الروسية حيث فشل أطراف قمة روسيا ـ الاتحاد الأوروبي في توقيع أية وثائق رسمية وعجزوا عن التوصل إلى صيغة مناسبة لتجاوز الفيتو البولندي ضد توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية بينهما. ويأتي الموقف البولندي في ظل أجواء متوترة في العلاقات الروسية الأوروبية بسبب ملفات عديدة شائكة، ما يعد مشهدا من مشاهد الحرب الباردة الجديدة التي أصبحت بولندية روسية!

وهذا الفيتو البولندي يذكر بموقف بولندي آخر تناولته في حينه في مقال على صفحات البيان عندما صوتت بولندا ضد قرار أوروبي بوقف إطلاق النار في الحرب الإسرائيلية اللبنانية الأخيرة في اقتراب واضح من الموقف الأميركي، وقد كانت خريطة التصويت على القرار مرآة للتحولات سالفة الذكر إذ كان على لائحة رافضي وقف إطلاق النار دولة أخرى شرق أوروبية هي تشيكيا. وقبل هذا الموقف كانت بولندا تشارك في التحالف الذي قادته الولايات المتحدة لتغيير النظام العراقي بالقوة في موقف بدا غير مفهوم للبعض.

الموقف البولندي أقرب ما يكون إلى نوع من التكفير عن الماضي الشيوعي الذي كانت أحد أسرع دول شرق أوروبا في التخلص منه. وقد كان المحللون السياسيون عندما يحاولون تقييم حظوظ مشروع الشرق الأوسط الكبير من النجاح يقارنون بينه وبين دور أميركا في تقويض الأنظمة الشيوعية في شرق أوروبا وكانوا غالبا ينتهون إلى أن شرق أوروبا كانت شعوبها «تحب» أميركا وأنظمتها تكرهها أما في الشرق الأوسط فإن الشعوب تكره أميركا، وقد أثبتت التجربة البولندية صدق «نصف» التقييم وهو أن شعوب أوروبا - أو على الأقل بعضها - لن نقول تحب أميركا لكن على الأقل لا تكرهها.

وبولندا في موقفيها الأخيرين: الفيتو على الشراكة الأوروبية الروسية والاتجاه لتقنين إزالة رموز الحقبة الشيوعية تشبه من يكفر عن خطايا ماض مشين أو ربما كانت بدبلوماسيتها الجديدة تنتقم من مستبد أرغمها لعقود على السير في الطريق الخطأ، وبالتالي تحاول أن تنقذ أي ضحايا آخرين حتى لا يعانوا ما عانت، ومن ثم تحاول بعد أن كانت لعقود ممرا للنفوذ السوفييتي إلى قلب القارة الأوروبية أن تتحول إلى حائط صد في مواجهة النفوذ الروسي.

فهذا الفيتو على الشراكة الأوروبية الروسية كان من الممكن توقعه من حلفاء آخرين لأميركا في الاتحاد الأوروبي لكنه جزء من الصورة الجديدة لبولندا وهي باستمرار تتقدم على طريق تأكيد الخيار الجديد غير عابئة بالغضب الروسي. لكن بولندا، وهذا هو الأهم لم تشهد حالة تململ أو حركات احتجاج كبيرة بسبب التوجه الجديد، ولم يتهدد استقرارها السياسي هذا التقارب المتسارع مع الولايات المتحدة وهذا الإيغال اللافت في طريق تأكيد ليبراليتها سياسيا واقتصاديا على عكس دول أخرى انشقت نخبتها السياسية إزاء مثل هذه التحولات.

لقد كانت دول شرق أوروبا جنودا أساسيين في لعبة الحرب الباردة بين العملاقين الأميركي والسوفييتي لكن المثير أن وارسو العاصمة التي حمل الحلف الشرقي اسمها تقرر نزع كل البصمات الشيوعية من هويتها وأن تكون هي العاصمة التي تستخدم الفيتو ضد الشراكة الاستراتيجية الأوروبية.

إنه التاريخ بدهائه ومفارقاته!

كاتب مصري