فور حادثة الاشتباك القتالي في الشمال اللبناني بين الجيش الحكومي والمنظمة المسلحة التي تطلق على نفسها «فتح الإسلام» تسرع البعض ليعلن للعالم في لهجة تأكيدية أن سوريا وراء هذه المنظمة تمويلاً وتسليحاً ودعماً. وربما لتريثوا لو كان لهم أن يعلموا أن رئيس الولايات المتحدة له موقف آخر. ذلك أنه عندما سئل الرئيس الأميركي عما إذا كان لدى سوريا علاقة تنظيمية مع «فتح الإسلام» فإن إجابته كانت ببساطة: لا أعلم.

ولم يتوقف هؤلاء عند حد دفع دمشق بتهمة إرهابية بل وفي حمأة اندفاع بعضهم لاسترضاء واشنطن على أي نحو وبأي ثمن فإنه أعلن أيضاً أن قائد تنظيم «فتح الإسلام» شاكر العبسي سوري الجنسية.

من قبيل احترام ظاهري زائف نطلق على أمثال هؤلاء وصف «حليف» أو «صديق» لكن هذا الوصف طبعاً يُعرف بقدر ما يعرف الطرف الآخر.. ويعرف العالم ان منهم عملاء ينسجون أكاذيب في سبيل استرضاء السيد الأميركي. كان بوش يتحدث إلى صحافيين داخل الطائرة الرئاسية. ويقول مندوب وكالة الصحافة الفرنسية ان الرئيس الأميركي في سياق تعليقه على حادثة الصدام القتالي في الشمال اللبناني «لم يصل إلى حد اتهام دمشق بالضلوع». فقد قال: «لا معلومات لدي عن هذا الحادث على وجه الخصوص». وأضاف: «سأتوخى الحذر إلى أن يكون لدي معلومات أفضل».

واكتسب الموقف الأميركي الرسمي المزيد من الوضوح من خلال تصريحات عن المتحدث باسم البيت الأبيض توني سنو حيث أعلن أنه ليس بإمكانه القول ما إذا كانت سوريا وراء المعارك التي جرت.

وإذا كان في هذا تكذيب أميركي غير مباشر لرواية البعض ممن يتهمون سوريا فإنهم تلقوا تكذيباً ثانياً من جهة أخرى، فقائد «فتح الإسلام» شاكر العبسي ليس سورياً كما ادعى جنبلاط. وهو تكذيب صادر عن الناطق الرسمي باسم حكومة الأردن ناصر جودة حيث أعلن أن العبسي أردني.

ويبقى السؤال: ما هي الهوية السياسية لتنظيم «فتح الإسلام»؟

رغم أنه لا يزال هناك شيء من الغموض حول هذه المسألة فإن الرواية السورية الرسمية تبدو الأقرب إلى الحقيقة، فهذه المجموعة مرتبطة أيديولوجيا بتنظيم «القاعدة» ولا يمكن تصنيفها كفصيل فلسطيني لأن عضويتها تتكون من عدة جنسيات عربية.

وتمضي الرواية السورية إلى القول إن عناصر من هذه المجموعة كانوا رهن الاعتقال في السجون السورية قبل أن يفرج عنهم. «وإذا عادوا سيودعون السجن» على حد قول مسؤول سوري.

وربما كانت النواة الأولى للتنظيم فلسطينية قبل أن تتحول إلى «القاعدة» ومن الثابت أن هذه النواة انشقت أصلاً من فصيل «فتح الانتفاضة» في لبنان ـ وهو فصيل موالٍ لدمشق.

ألا يعرف هؤلاء الذين يتهمون سوريا هذه الحقيقة الأولية؟

وألا يعرفون أن الاستخبارات الأميركية تعرف؟

أم أنهم يريدون أن يكونوا «أكثر كاثوليكية من البابا»؟