يقدم الاستفتاء فرصة مزدوجة تتمثل أولاها بإعطاء رأي في مرحلة سابقة تكون عادة عملية تقييم ومراجعة, فيما تكون الفرصة الثانية بإعلان خيار المستقبل, بما يحمله من آمال وطموحات.
وإذا نظرنا الى السنوات السبع السابقة فإننا قد نختلف على ترتيب الأولويات, إلا أن الشيء الذي لا يترك لنا مجالاً إلا لإعطائه ميزة خاصة بالحديث عنه هو نجاح الدبلوماسية السورية في تجاوز مرحلة من أعقد وأصعب المراحل التي عاشتها سورية.
والأهم من ذلك أنها تجاوزتها (بكرامة) تصل الى حدود الكبرياء, وكانت مواقف الرئيس الأسد معبرة أفضل تعبير عن فطرة السوريين المعروفة بالإباء والاعتداد بالنفس. فالسياسة السورية خلال المرحلة السابقة - رغم غطرسة الآخرين - ترجمت كبرياء السوريين وتقديسهم لكرامتهم وعدم تنازلهم عن السيادة.وما كان هذا الأمر لينجح لولا ترابط وتطابق هذه الصفات بين الرئيس وشعبه.
إن الدبلوماسية السورية بقيادة السيد الرئيس قدمت نموذجاً راقياً في الحكمة وبعد النظر, وهو الذي مكّنها من الخروج سالمة في عالم مجنون بالقوة وبالأفكار السوداء. ولهذا فإن المواطن السوري يضع وساماً للنجاح السوري في هذا المجال.
لكن وأيضاً فإن المواطن مهتم وبصورة كبيرة بالأمور الحياتية والمعيشية, ولا أحد يستطيع أن يقدم صورة مبالغة في هذا الموضوع, لكن المقارنة ستكون مفيدة بلا شك. مقارنة مع ما مضى نلمس تحسناً في المستوى المعيشي, وهو قابل لمزيد من التحسن من خلال استثمار نتائج المرحلة السابقة من الإصلاح الاقتصادي.
والمقارنة الأخرى تتعلق بحال مواطني دول أخرى لديها ما لدينا وليس (عليها ما علينا). ولا أريد أن أسمّي بلداناً بعينها, لكن تقييماً عادلاً يعطينا الأفضلية في عدة جوانب, وخاصة بمراعاة حال الطبقات الأكثر اتساعاً في المجتمع بحيث لم يدفع ثمن (الدواء المر) الأقل دخلاً.
ثم إن هناك نقطة أخرى لا ينبغي تجاوزها, وهي أن أكبر أذى لحق بالإصلاح السوري كان نتيجة الضغوط والتهديدات التي تعرضت لها سورية, فالدول مثل الأفراد عندما تتعرض للاعتداء أو التهديد به, فإنها (تتكور) على نفسها قليلاً, وتحاول أن تدقق أكثر في خطواتها, وأن تضع في حسبانها مخاطر ما كانت لتلقي لها بالاً في أوضاع أخرى.
ولا نقول ذلك تبريراً وإن كان من الممكن أن يكون تبريراً مقنعاً, إنما هو أحد الأشياء التي علينا أن نخطط لتجنب آثارها في المرحلة المقبلة ونتحصن قناعة بامكانية استمرار الضغط الى حين. وإذا كان الاستفتاء الآن يشكل فرصة لهذه المراجعة ولإبداء الرأي بما سبق فإنه أيضاً وبصورة متصلة يقدم خياراً لما هو آتٍ.
ونحن نتابع فيض المشاعر الشعبية في المدن السورية نقرأ على صفحة ناصعة رأي الناس بما مضى..وخيارهم لما هو آتٍ. إنه استفتاء على نهج سورية الذي أثبتت الأيام صوابه. إنه استفتاء على رؤية بعيدة المدى قرأت بشكل صحيح الأحداث, واتخذت فيها المواقف السليمة. إنه استفتاء على مواصلة الإصلاح بكل جوانبه, إنه باختصار استفتاء على سورية أمناً وازدهاراً وتطوراً.