في خطابه الشامل بمناسبة عيد الاستقلال أعاد جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين التذكير بتضحيات الهاشميين والأردنيين في سبيل قضية فلسطين وقضايا الأمتين العربية والإسلامية لكي يعرف القريب والبعيد أن الأردن الذي لم يقصر طوال مسيرته تجاه أشقائه مستمر في تحمل مسؤولياته القومية إلى أن يسترد الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة ويقيم دولته المستقلة على أرضه .
وإذا كان جلالة الملك يرمي من وراء ظهره وظهر هذا البلد جحود وقلة وفاء أولئك الذين زايدوا على تلك التضحيات والثمن الذي دفعه الهاشميون الأبرار: الحسين بن علي وعبدالله الأول بن الحسين ، والحسين بن طلال طيب الله ثراهم فإنه يؤكد إصراراه على تحمل أعباء قضايا الأمة ويفسر موقفه من المبادرة العربية والدور الذي يقوم به من أجل التعريف بها لدى الرأي العام الدولي والإسرائيلي خدمة للشعب الفلسطيني ولمصالح الأمة العربية والسلام والاستقرار في هذه المنطقة .
وحين يذكر جلالته بما سبق وأن حذر منه حول الفتن الطائفية والصراعات الإقليمية والدولية وتنامي الإرهاب فإنه يريد أن يرجع كل الأطراف بالذاكرة إلى الجهود التي بذلها من أجل حل الأزمات بالحوار والتفاوض السلمي ، وبخاصة ما دعا إليه من ضرورة الحفاظ على وحدة العراق أرضا وشعبا وعدم الخطأ في الحسابات عندما شنت الحرب على هذا البلد الشقيق وعندما بدأت العملية السياسية إثر سقوط النظام السابق ، وخلال تنفيذ الخطط الأمنية ، فكانت نتيجة التغاضي عن فهم تلك التحذيرات ما نشهده اليوم من حال مأساوي يعيشه الشعب العراقي ويدفع ثمنه غاليا .
وللأسف فإن تلك الأمثلة على واقع المنطقة العربية ليست سوى دليل من أدلة كثيرة على حجم الضرر الذي يصيب الأمة ، والأردن منها ولها ، يناضل من أجل نفسه ومن أجلها ، ويواجه الصعوبات في التنمية الشاملة وفي تحسين نوعية الحياة لشعبه بسببها ، ومع ذلك فهو يواصل طريقه الصعب لبناء إقتصاده القوي والحفاظ على منجزاته وتأهيل قواه البشرية كي تكون قادرة على معالجة قلة الموارد بكثرة العمل والإنجاز .
ولذلك فإن ما نحن بصدده خلال النصف الثاني من هذا العام من إنتخابات بلدية ونيابية ليس مجرد إستحقاقات تنظيمية وتشريعية وإنما هو عملية متصلة بمنعة الدولة وقوتها الداخلية وتركيز دعائمها ومنها المشاركة الشعبية في إتخاذ القرار ، ولذلك فإن دعوة جلالته للمواطنين مرشحين وناخبين لتقدير المسؤولية المترتبة على تلك الممارسة الديمقراطية تأتي ضمن هذا المنظور العميق لمفهوم الدولة التي تقف في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية على حد سواء ولا تملك خيارا غير خيار التقدم إلى الأمام بعزيمة وثبات .
بكل المعايير كان خطاب جلالة الملك خطابا إسترتيجيا جمع الماضي بقيمه ومبادئه وتضحياته مع الحاضر بكل تحدياته وروح العزيمة التي تضبط ايقاعه ، وأضاف إليه رؤية المستقبل للدولة وللمنطقة وللسلام العالمي ، فكان خطاب الاستقلال بكل أبعاده ومعانيه ، رسالة إلى الأردنيين والعرب نأمل أن تفهم كما يجب فلا نملك إلا أن نرفع أكف الضراعة إلى الله العلي القدير أن يحفظ هذا البلد حصنا من حصون الأمة وأن يحمي قائد هذا البلد فارسا من فرسانها الأقوياء الشجعان النبلاء.