لم تكد شوارع غزة تنعم ببعض الهدوء بعد فترة دامية ومؤلمة من الاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني، حتى عادت إسرائيل إلى انتهاج سياستها القديمة - الجديدة في استهداف نشطاء وقادة فلسطينيين، فتقتل البعض وتأسر البعض وتهدد باغتيال قادة في أعلى درجات الهرم الفلسطيني، في الوقت الذي لايزال فيه الفلسطينيون يبحثون عن حل يضمن عدم العودة للاقتتال الداخلي، ويكرسون بذلك واقع أن العدو الإسرائيلي دائماً يتقدم بخطوة أو أكثر تاركاً الفلسطينيين في حالة دفاع متأخر عن النفس، ليس عسكريا فقط، ولكن سياسيا واقتصاديا وإنسانيا أيضاً.

لكن نظرة سريعة على الواقع الفلسطيني الحالي تؤكد حقيقة واضحة تماما: الفلسطينيون ليسوا بحاجة إلى دراسات واتفاقيات جديدة فيما بينهم لتنظيم أمورهم، فلديهم كل ما يحتاجون إليه لتحقيق ذلك. فاتفاق مكة، وما نجم عنه من اتفاقات جانبية أخرى وترتيبات في الشارع الفلسطيني وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية هي الحل الوحيد الذي ينتظر تطبيقه كواقع فعلي للخروج من المأزق الحالي .

ومنع عودة النزاع المسلح الداخلي واتخاذ موقف حازم وموحد تجاه التهديدات الإسرائيلية باستهداف القيادات الفلسطينية المنتخبة داخل فلسطين وخارجها. ولا شك أن هناك خللاً ما في فهم أو ترجمة بعض بنود الاتفاق الذي أوقف سيلان الدم الفلسطيني أصلاً، وهذا هو الأمر الذي يتطلب إعادة النظر بغية تقوية حكومة الوحدة الوطنية وتحويلها إلى قوة فاعلها.

وليس إلى مجرد صورة تجميلية لواقع ينزف كل يوم. إن الحديث عن ضرورة دخول الفلسطينيين نفق اتفاقات جديدة ليس إلا إضاعة للوقت تستفيد منه إسرائيل لتكرس احتلالها وتكمل بناء جدارها وتغتال من تريد من الفلسطينيين وصولا إلى إذكاء نار فتنة داخلية تكفي الإسرائيليين متاعب ارتكاب الجرائم بنفسها.

وهنا لا بد من الإشارة إلى الغياب التام لأي رد عربي أو دولي تجاه التصريحات الإسرائيلية الوقحة بأنها قد تستهدف زعماء فلسطينيين منتخبين وفي مناصب رسمية، وقيامها أيضاً باعتقال مجموعة من قياديي حماس بمن في ذلك أعضاء في الحكومة وفي المجلس التشريعي الفلسطيني. إن أسر جندي إسرائيلي واحد أقام الدنيا ولم يقعدها وجلب استنكار القاصي والداني ضد الشعب الفلسطيني، فلماذا يغمض العالم عينيه عن قتل واعتقال العشرات من المدنيين ومن ممثلي الشعب الفلسطيني؟

لا بد هنا من دور فاعل للدبلوماسية العربية لمطالبة المجتمع الدولي بممارسة دوره في كبح جماح الغطرسة الإسرائيلية ووضع حد لممارساتها اللاإنسانية والتي تخرق كل قوانين الشرعية الدولية كل يوم.لكن على الفلسطينيين ألا يأملوا كثيراً بتحرك دولي ما لم يصلحوا أمور بيتهم أولاً ويعودوا إلى ظل اتفاق مكة، لأنهم بذلك فقط يخطون الخطوة الصحيحة الأولى باتجاه الحل.