بقي نحو 600 يوم تقريباً على حلول 20 يناير 2009، ونهاية كابوسنا الوطني الطويل، عندما يغادر الرئيس الأميركي جورج بوش ونائبه ديك تشيني، إلى داري تقاعدهما تحت الحراسة المشددة وإلى ركام من التاريخ الرمادي. إن الكثير مما تحدثا بشأن القيام به في قرن جديد وعالم جديد ومختلف لم يحدث. والكثير مما قاما به لزيادة نفوذ الرئاسة وتقليم الضوابط الدستورية التي وضعها آباء أميركا المؤسسون لم يتطرقا له.
أدار الشعب الأميركي ظهره لجورج بوش ولأحلامه بزرع بذور الديمقراطية في العراق بحد السلاح ورؤيتها تنتشر مثل البازلاء على امتداد الشرق الأوسط، ولقد فشل في سعيه إلى النصر في العراق وإلى عالم تنظمه ولايات متحدة جديدة وأقوى كما أن تخبطه المتسم بالتهور وصولاً إلى أرض خطيرة جعلنا جميعاً أقل تمتعاً بالأمان بكثير مما كنا عليه.
إن معدلات شعبية الرئيس أصبحت في الحضيض، فقد انخفضت إلى 28% في أحد استطلاعات الرأي التي أجريت مؤخراً، وليس بإمكانه استردادها إلا بمعجزة ترقى إلى معجزة شق البحر وإطعام الحشود، تلك الحرب التي لم يكن بوسعنا الانتصار فيها أبداً بوسائل عسكرية- وهي الزر الوحيد الذي لم يتعلم هذا الرئيس الذي لم يتعلم الحرب قط كيفية الضغط عليه- هي حرب خاسرة.
بوش وتشيني وبقية محاسيبهما والمشتركون في المؤامرة احترقت أوراقهم، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف نجح مثل هؤلاء الرجال الذين يبدون عاديين، والذين يبدو أنهم عاجزون عن أداء أصغر مهام الحكم غير السياسية، في إلحاق مثل هذا الضرر غير العادي والدائم ببلدنا، ومؤسستنا العسكرية وبنيتنا السياسية في مثل هذه الأعوام القليلة؟
مع سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس، واقتراب انتخابات 2008، فإن الرئيس ليس بوسعه حتى الاعتماد على الشخصيات الرئيسية في حزبه الجمهوري ليقفوا وراءه في زحفه الطويل والمؤلم، إن آماله بإجراء إصلاح له مغزاه فيما يتعلق بالهجرة وإصلاح الضمان الاجتماعي ماتت في مهدها.
والموروثات التي سيحملها بوش إلى التقاعد هي الحرب التي بدأها، وخسرها ورفض بعناد إنهاءها، والفساد الذي أهاله هو وفريقه على ديمقراطيتنا ودستورنا، ويطوح في الهواء محامي الرئيس، المدعي العام ألبيرتو غونزاليس، فيما نعلم يوماً بعد آخر، كيف قامت هذه الإدارة على نحو غريب بإضفاء الصبغة السياسية على الموظفين المحترفين في وزارة العدل.
كان غونزاليس، باعتباره المستشار القانوني للبيت الأبيض، هو من قدم غطاء قانونياً للتعذيب والمعاملة القاسية للسجناء والمشتبه بهم اللذين أفضيا مباشرةً إلى انتشار فضيحة سجن أبو غريب والسجون الكافكاوية السرية التابعة لوكالة المخابرات المركزية الأميركية في أنحاء العالم، حيث تم توظيف طرق الاستجواب «المعززة»، بسخاء، وإن كانت من دون نتيجة.
كان غونزاليس، باعتباره المدعي العام، هو من استخدم ومنح صلاحيات لم يسبق لها مثيل في التوظيف والطرد إلى نائبة للمدعي العام تبلغ من العمر 33 عاماً، هي مونيكا غودلينغ، التي تخرجت من كلية للحقوق أقرب إلى برنامج تبشير تلفزيوني. وكانت غودلينغ هي من لجأت إلى التعديل الخامس للدستور الأميركي لتجنب الإجابة عن الأسئلة التي لم يتم حتى طرحها.
وكانت غودلينغ هي مسؤولة الاتصال بالبيت الأبيض وكارل روف في وزارة العدل، وفي غضون ذلك، ليس بمقدور البيت الأبيض إيجاد الرسائل الإلكترونية التي بلغ عددها 5 ملايين رسالة والمرتبطة بالعمل الرسمي ويرفض تقديم الكثير من تلك الرسائل التي يمكن الحصول عليها إلى لجان الكونغرس التي تحقق بشأن طرد نواب للمدعي العام الأميركي.
إن الهيئات الحكومية، ووكالة المخابرات المركزية، ومكتب التحقيق الفيدرالي، والخزانة، ووزارة الدفاع وغيرها في السياق ذاته، تستخدم سلطة تنفيذية سرية لامتصاص قواعد البيانات التي تتعلق بالمعلومات الشخصية عن أميركيين عاديين، من دون اعتبار لحقوقهم في الخصوصية، بحثاً عن إرهابيين مشتبه بهم، هل عثرت على أي إرهابي باستخدام تلك المعلومات؟
وهل اكتشفت خلايا إرهابية ذات إمكانية أكبر من تلك التي ضبطت في فلوريدا ونيو جيرسي والتي تم اختراقها وربما التلاعب بها من قبل مرشدي مكتب التحقيق الفيدرالي؟ ذلك النوع من الإرهاب ليس مخيفاً بقدر جورج بوش وديك تشيني، إضافة إلى ذلك في العراق، فإن هناك 150 ألف جندي أميركي، يحاولون تحت طائل دفع أرواحهم وأجسامهم ثمناً لذلك، اتباع أوامر رئيس لا يزال يعتقد أن بوسعه انتزاع النصر من الهزيمة.
إن البرلمان العراقي المنتخب بصورة ديمقراطية والمقسم بصورة
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ«البيان»