لم يفلح اليسار الفرنسي في لملمة صفوفه واسترجاع قواه للفوز بكرسي الإليزيه. فشل الاشتراكيون في استرجاع العرش في ثلاث دورات انتخابية رئاسية متتالية وهذا لا يعود بطبيعة الحال إلى شخصية المرشحة سيغولين رويال بقدر ما هو مرتبط بما يدور في كواليس اليسار وما يحدث على الصعيد الأوروبي من تطورات وتغيرات كبيرة تركت بصماتها على الحياة السياسية الفرنسية والأوروبية.
طوال العقود الثلاثة الماضية ظل اليسار الاشتراكي الفرنسي يعاني من حالة تشتت وتشرذم وانحسار. فثورة التجديد والتغيير التي يشهدها العالم هذه الأيام أدت إلى صعود اليمين في العديد من الدول الأوروبية بفضل ناخبين يفضلون التجديد والتغيير وتجاوز اليسار التقليدي الذي أصبحت سياساته لا تجدي نفعا وأصبحت عقيمة.
وأخيرا تحقق حلم نيكولا ساركوزي وفاز ابن المهاجر الأرستقراطي المجري بسدة الحكم في بلد لم يكن أحد يتخيل فيه أن فرنسيا من أصول أجنبية سيتربع على كرسي الرئاسة في الإليزيه. حلم ساركوزي منذ الصغر بالسلطة ونصحه والده إذا أراد ذلك فليذهب إلى الولايات المتحدة الأميركية بحيث إن المجتمع الفرنسي غير جاهز لقبول «أجنبي» يحكمه.
لكن ساركوزي تحدى الجميع وتحدى منافسيه في حزب اتحاد الحركة الشعبية وحصل على ما أراد. بوصول ساركوزي إلى كرسي الرئاسة تبدأ حقبة جديدة من التاريخ الفرنسي حيث ستشهد الكثير من التغييرات والتحولات المهمة والقطيعة مع الماضي، مع ثلاثة عقود من الركود والخمول سياسيا واقتصاديا سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.
اختار الشعب الفرنسي ساركوزي لأنه يريد التغيير والرئيس الجديد وعد بذلك فهل سيستطيع أن يفي بوعوده ويكون عند حسن ظن ناخبيه. فلقد وعد ساركوزي بتحسين الاقتصاد والقضاء على البطالة وتحسين ظروف المحتاجين والفئات المحرومة في المجتمع.
لم يتخيل الفرنسيون في يوم من الأيام أن يحكم بلاد فولتير وموليير وروسو رئيس من أبوين أجنبيين. ففرنسا ليست أميركا المعروفة بانفتاحها وبالمزيج البشري الكبير وخليط الأعراق والأجناس الذي يعيش فيها ويساهم في صناعة القرار فيها وفي الحياة السياسية والاقتصادية بغض النظر عن اللون والجنس والعرق والجذور.
تعتبر فرنسا بلدا محافظا إذا قارناها بالأنجلوساكسون. ولا ننسى أن فرنسا هي ذلك البلد الذي رفض دخول بريطانيا إلى السوق الأوروبية المشتركة تحت حكم ديغول لعقود من الزمن. لكن يبدو أن زمن ديغول وبومبيدو قد ولى ويبدو أن العولمة قد فعلت فعلتها.
ساركوزي ابن المهاجر المجري والأم اليونانية استطاع بدهائه وذكائه أن يتسلل إلى أروقة وكواليس السياسة الفرنسية وأن يفرض نفسه وهو طالب جامعي على الساحة السياسية الفرنسية وأن يتولى رئاسة إحدى بلديات ضواحي باريس وعمره لم يتجاوز 28 سنة.
ساركوزي دخل قلوب الفرنسيين من باب أطروحاته الجديدة المتعلقة بتفعيل الاقتصاد وملف البيئة والبطالة والهجرة غير الشرعية والاندماج. ففي كتابه «معا» شرح ساركوزي رؤيته في التعامل مع تآكل السياسة الفرنسية اقتصاديا وسياسيا على المستوى الداخلي والخارجي. فالرئيس الجديد يطالب ببراغماتية جديدة وبالانفتاح على العالم بمنطق جديد قد يضطر إلى إحداث القطيعة مع الديغولية والانفتاح أكثر على الانجلوساكسونية و«العولمة السعيدة» كما يسميها.
ساركوزي الرئيس السادس في الجمهورية الخامسة بعد ديغول وبومبيدو وديستان وميتيران وشيراك سيبدأ مرحلة القطيعة مع الديغولية وخاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية كما أنه سيشرع في عملية التحديث والتحول والتغيير.
من أهم التحديات التي سيواجهها الرئيس الجديد الاقتصاد المتآكل الذي يعاني من نسبة نمو ضعيفة جدا ومن بطالة وديون. فهدف ساركوزي في هذا المجال هو إعادة القدرة التنافسية للاقتصاد الفرنسي ووقف حركة هجرة الشركات الفرنسية إلى دول جنوب شرق آسيا ودول العالم الأخرى.
ناهيك عن هجرة الأدمغة الفرنسية والكثير من الجامعيين إلى دول أوروبية مجاورة بسبب الرواتب والمحفزات المغرية. وهذه القضايا حسب ساركوزي بحاجة كلها إلى إصلاح جذري وتغييرات هيكلية من أجل التحول من وضعية الركود والعقم إلى وضعية الإنتاج والمنافسة.
من المشكلات التي يواجهها ساركوزي قضية الضواحي والتهميش الاقتصادي والإقصاء الاجتماعي. فهناك شرائح اجتماعية في فرنسا تعاني من مشكلات عدة وعلى رأسها البطالة والتهميش. ورغم اختياره للفرنسية المغربية الأصل رشيدة داتي كوزيرة للعدل فإن ساركوزي بحاجة إلى إعادة النظر في سياسة العصا الغليظة وسياسة الانتقاء والتمييز الإيجابي والهجرة النوعية ومحاربة الهجرة اللاشرعية.
المشكلة الأخرى التي سيواجهها ساركوزي تتمثل في إشكالية المواطنة والهوية الوطنية والأزمة التي يعاني منها الجيل الثاني والثالث من المهاجرين في فرنسا. ففي حقيقة الأمر، هناك ملفات شائكة مطروحة على الساحة الداخلية وتتطلب إجراءات صارمة وتغييرات جذرية قد تواجهها الكثير من العقبات والحواجز والرفض كما قد تكلف ساركوزي الكثير من الأعداء والمشكلات.
أما على الصعيد الخارجي فتتمثل أهم تحديات ساركوزي في مستقبل الاتحاد الأوروبي وهويته، حيث إن الرئيس المنتخب يريد أن يبعث العمل الأوروبي المشترك من جهة ومن جهة أخرى فإنه أعرب عن عدم ترحيبه بدخول تركيا الاتحاد. ورغم اتهامه بارتمائه في أحضان الولايات المتحدة الأميركية فإن ساركوزي أعرب عن اختلافه مع العم «سام» حول ملف حرب العراق وأفغانستان ونشر الصواريخ الأميركية في شرق أوروبا وبروتوكول كيوتو حول الاحتباس الحراري.
أما بالنسبة للقارة السمراء ودول المغرب العربي فالتحدي بالنسبة لساركوزي هو استعادة أمجاد فرنسا في هذه المنطقة في الوقت الذي يطالب به بتطبيق سياسة «الهجرة المنتقاة» وهي سياسة يعتبرها الأفارقة وعرب إفريقيا سياسة عنصرية وإجراء لسرقة الأدمغة والكفاءات والتخلص من اليد العاملة غير المؤهلة.
فالأفارقة يرون المشكلة من منظار آخر حيث واجب مساعدة فرنسا للدول الإفريقية في المجال الاقتصادي والتنمية المستدامة وفرنسا كما يرى الكثيرون هي التي تسببت في تخلف إفريقيا. يبقى القول في الأخير إن أهم تحد يواجه ساركوزي هو الضواحي الفقيرة التي يقطنها مهاجرون من المغرب العربي وإفريقيا السوداء والتي أصيبت بالصدمة وخيبة الأمل بعد الإعلان عن فوز مرشح اليمين بكرسي الرئاسة.
وكانت النتيجة أنها عبرت عن استيائها بأعمال شغب وبمسيرات رفض واحتجاج ضد الشخص الذي وصفها بالحثالة. ماذا سيفعل ساركوزي بالضواحي الفقيرة والمهمشة والتي تعاني من العنصرية وعدم الإدماج ومن ظروف معيشية صعبة؟
مهمة ساركوزي ستكون صعبة، فهو مطالب بتوحيد فرنسا بعد أن ساهم في انقسامها من خلال بعض التصريحات والمواقف كدعوته إلى سياسة السوق الواقعية وزيادة ساعات العمل ومراجعة قائمة المزايا الممنوحة لموظفي القطاع العام وسياساته المتشددة اتجاه المهاجرين.
فالرئيس الجديد مطالب بإعادة المهاجرين المستاءين إلى التيار العام في المجتمع والتخلي عن اللهجة العنيفة التي استعملها ضدهم عندما كان وزيرا للداخلية. المحرومون والمهمشون وسكان الضواحي من عرب وأفارقة وأجانب وفرنسيين محرومين، هم الفئات الأكثر حاجة إلى مساعدة الرئيس الجديد لهم.
كلية الاتصال - جامعة الشارقة