صار الحال بالنسبة للملف العراقي كما كان ولا يزال بالنسبة للملف الفلسطيني: سلسلة من المشاريع والخطط والخرائط، ناهيك بالمؤتمرات والاتفاقات؛ من دون أن يرى أحدها النور، تنبت خطة يرافقها ترويج وضجيج. يسود الاعتقاد بأنها المدخل للعلاج والشفاء.

يبدأ التعثر يتبدى العجز أو عدم الجدية. ثم سرعان ما تسقط في النسيان، ليبدأ العمل على تفريخ غيرها. وهكذا دواليك. طبع هذا النهج تاريخ القضية الفلسطينية، منذ مؤتمر مدريد. والآن يجري نسخه خلال سنوات الاحتلال الأربع الماضية، على القضية العراقية.

آخر نسخة منه كشفت عنها واشنطن أمس، وجاءت تحت اسم «خطة استراتيجية جديدة». مصادر إدارة الرئيس بوش تقول ان المسؤولين المدنيين والعسكريين المعنيين يضعون اللمسات الأخيرة عليها، بحيث تكون جاهزة أواخر الشهر الجاري وبذلك تكون واشنطن قد انتقلت من خطة إلى أخرى، في غضون أشهر.

الأولى، «الخطة الأمنية» استدعت زيادة عدد القوات الأميركية بأكثر من عشرين ألف جندي. ويومذاك أثارت الكثير من الجدل والخلاف في واشنطن. الرئيس بوش راهن على نجاحها. واليوم يقفز إلى الخطة الجديدة بعد أن انكشف عجزها.

التركيز في هذه الجديدة، حسب ما تسرب عنها في الصحافة الأميركية، يجري على عدة جوانب عسكرية وسياسية وطائفية وأمنية. تتراوح بين العمل على «حماية السكان المدنيين العراقيين في مناطق العنف». وبين العمل على إبعاد العناصر الطائفية عن قوات الأمن العراقية مروراً ب«زيادة عدد القوات العسكرية العراقية»، كما بالسعي لعقد «صفقات سياسية» بين القوى العراقية. ونسب إلى مسؤولين أميركيين قولهم إن هذه الأخيرة ـ الصفقات ـ تشكل «جوهر» الخطة.

إذن بعد كل هذه الدورة الطويلة المكلفة، التي أدت إلى تعميق الشروخ ومراكمة الخسائر التي تكاد تطيح بالبلد ومقوماته، رجعوا إلى الخيار السياسي؛ باعتباره المدخل الرئيسي إلى الخلاص. من البداية جرى طرحه والتشديد على أهميته؛ لكونه الأنجع والأكثر حظاً بالنجاح؛ وبالتأكيد الأقل كلفة.

الصراعات والتدخلات فضلاً عن المعاندة في الإصرار على الحلول العسكرية؛ كلها ساهمت في نسف محاولات المصالحة الوطنية؛ من مبادرة الجامعة العربية إلى لقاء مكة. ولطالما تكررت التحذيرات ومنها عسكرية أميركية، بأن الوضع العراقي لا تجدي معه الحلول الأمنية.

لكنها ذهبت هباء. والآن، عندما اصطدمت البدائل العسكرية بالحائط المسدود، عاد للتسوية السياسية اعتبارها. لكن الخلفية والسوابق تفرضان التساؤل عما إذا كان الرجوع إلى هذه الورقة جاداً؟ وإذا كان كذلك فهل مقومات نجاحه متوفرة؟ وهل يتم العثور على أرضية مشتركة بين كل الأطراف المعنية، الداخلية والخارجية، لتعويم الخيار السياسي؟

من المقرر يوم الاثنين المقبل أن يعقد حوار أميركي ـ إيراني على مستوى السفراء، في بغداد، حول الوضع في العراق. تطور جديد. وربما يكون من النوع الواعد، إذا تقاطعت المصالح. القوى السياسية العراقية عليها العثور، أيضاً، على الأرضية المشتركة فيما بينها. وإذا تضافرت كل هذه العوامل، يكون العراق قد دخل مرحلة جديدة وإلا فإن الخطة الجديدة لن تكون أحسن من غيرها. ولن يكون العراق أكثر من حقل اختبار للخطط الجوفاء.