في عهد الرئيس ريغان وبدعوة من صاحب مبادرة حرب النجوم ليندون لاروش المرشح السابق لرئاسة الولايات المتحدة أديت زيارة لمقر البنتاجون بصحبة صديقي الأستاذ الأميركي للعلوم السياسية فيليب جوليب، والتقيت بعض الخبراء الاستراتيجيين المنكبين على الشأن العربي في وزارة الدفاع الأميركية.
وأذكر أن أحدهم قال لي بالضبط ما أكده هذه الأيام أستاذنا عبد الوهاب المسيري للاعلامية التونسية المتألقة كوثر البشراوي في حديثه التلفزيوني وهو أن لواشنطن 22 سياسة عربية لا سياسة واحدة وأن بالمقابل للعرب 22 سياسة عربية اتجاه واشنطن لا سياسة واحدة.
وأنا أستعيد هذه الملاحظة المحورية اليوم حين أشاهد على الشاشات المؤتمر الصحافي الذي عقده مؤخراً زعيم الكتلة البرلمانية للحزب الديمقراطي في الكونجرس مسنودا ومصحوبا بنانسي بيلوسي رئيسة الكونجرس وهو يدعو الرئيس بوش إلى ربط ميزانية العام 2008 بالاعلان عن انسحاب أميركي من العراق، بينما يقوم الرئيس بممارسة حقه الدستوري في مواجهة قرار الكونجرس بالفيتو من البيت الأبيض.
وهنا لا بد من تسجيل الأزمة التي انطلقت في واشنطن بين رأسي السلطة الأميركية منذ السابع من نوفمبر 2006 التي جاءت بأكثرية ديمقراطية للكونجرس على خلفية تعفن الوضع العسكري والأمني والسياسي بالعراق.
هذا هو الواقع الجديد على الصعيد الشرق أوسطي والدولي الذي لا بد للعرب أن يتعاملوا معه بالشكل الذي يخدم مصالحهم لا أن يواصلوا نفس المسارات الدبلوماسية المتعثرة والمتعددة التي في النهاية تصب في خانة أعدائهم التاريخيين. فكيف نقرأ هذا الواقع الجديد؟
وبعيدا عن التشنج الايديولوجي الذي جربناه فعاد علينا بالوبال. فالعرب ليس من مصلحتهم التخلي عن العلاقات الطبيعية مع الشعب الأميركي، لكن باستعمال المرونة والتشاور وحسن الاستفادة من الوضع الدستوري الأميركي الطاريء.
وهنا علينا أن نرتب الأولويات العربية ونتابع التحولات الكبرى التي تفرض على واشنطن أن تعيد النظر في سياساتها اتجاه العالم العربي. فما الذي وقع خلال الشهور الثلاثة الأخيرة في مجال الدبلوماسية الأميركية تجاه الشرق الأوسط؟
أولا: دخل الكونجرس على الخط بقوة لأنه يمسك بزمام القرار النهائي في المصادقة على الميزانية وتوزيع الأموال.
ثانيا : قيام نانسي بيلوسي بمهام دبلوماسية ميدانية كانت إلى حد نوفمبر 2006 من مشمولات وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، وزارت رئيسة الكونجرس دمشق كما فتحت جسورا مع السلطة الفلسطينية وغيرت قواعد اللعبة السياسية الخارجية لواشنطن.
ثالثا: أصبح السباق واضحا وجليا بين السيدتين بيلوسي ورايس حول مبادرة الاتصال بطهران ومن الذي بيده مفتاح الفرج لتحريك الأزمة في الملف النووي الايراني وانعكاس سياسات طهران على الحالة العراقية.
رابعا: الفشل الذريع الذي اعترف به الجميع لما سمي بالخطة الأمنية الجديدة في العراق والذي انعكس بخاصة على التسعة والتسعين قتيلا من المارينز خلال شهر أبريل 2007.
خامسا : تجليات هذا الوضع الجديد في المؤتمر الدولي الذي انعقد في شرم الشيخ الأسبوع الماضي مما يثبت بداية استفادة العرب من الحالة الأميركية الجديدة، بعدم الانخراط في ايديولوجية الصقور الأميركان والبحث مع رايس عن مجالات اتفاق مع طهران وسوريا لحلحلة المعضلة العراقية.
على ضوء هذه المعطيات الجديدة والأكيدة يجب بناء علاقات مختلفة مع القوة الأعظم التي انخرطت في صراعات الشرق الأوسط وأصبحت ذات التأثير الأكبر في السير بمصير المنطقة. ولكن أيضا على ضوء معرفة أعمق بآليات صناعة القرار الأميركي.
وهنا لا مناص من أن يقرأ قادتنا العرب الكتاب الذي صدر هذه الأيام في نيويورك وفي عواصم أوروبا وهو للكاتب الصحافي الذي كان أطاح بالرئيس نيكوسن (بوب وودوورد) بعنوان (كذب دولة) لأن المؤلف ليس شخصا عاديا بل هو مراقب للشأن الأميركي كمواطن أميركي ولأن مصادره في هذا الكتاب القيم هي المنقولة رأسا ومباشرة عن الرئيس بوش الابن والرئيس بوش الأب والأحاديث الخاصة.
التي كانت للكاتب مع رامسفيلد وكولن باول وكوندوليزا رايس والجنرال كلارك والجنرال مايرز والسفير السعودي الأمير بندر بن سلطان الذي يعتبره بوب وودوورد من أشد الشخصيات تأثيرا على القرار الأميركي وعدد لا يحصى من صناع القرار الأميركي خلال السنوات الأخيرة.
ومع رجائي أن يترجم هذا الكتاب الوثيقة بأقصى السرعة وأن يتدارسه الخبراء وأصحاب القرار العرب حتى نتمكن من هندسة سياسة عربية موحدة ازاء القطب الأقوى لمواجهة أية مخاطر محتملة لا على مصالحنا العربية فحسب بل على بقائنا كدول امنة ومستقرة ومستقلة خلال العقود القادمة.
فاني ألفت النظر إلى أهم استنتاجات المؤلف حول بدايات الحرب على العراق وكيف تقررت حتى قبل الحادي عشر من سبتمبر 2001 من قبل لوبيات المال والنفط والصفقات، ثم تطورت الحرب إلى خلافات شديدة وخفية بين أقطاب السياسة الأميركية.
وكيف وصلت إلى ما سماه بوب وودوورد النفق المسدود عام 2007، لتفتح أبواب جحيم قادم هو نقل الحرب إلى ايران بدون أية معالجة حقيقية وعميقة لمعضلات العالم العربي بل باذكاء نار الفتن الطائفية وتخريج أفواج العنف والارهاب بلا حسابات استراتيجية.
كاتب تونسي