لم يدر بخلد قاضي قضاة باكستان السيد افتخار محمد شودري أن إقالته من قبل الرئيس برويز مشرف في مارس الماضي ستكون الشرارة التي تحرك قوى المعارضة لإنهاء الحكم العسكري الذي تعيشه البلاد منذ ثمان سنوات تقريباً.

فخلال الشهرين الماضيين لم تهدأ الشوارع الرئيسية في مدن باكستان الكبيرة من تجمعات مناوئة للحكومة، كان آخرها ما حدث في الثالث عشر من الشهر الجاري في مدينة كراتشي التي اصطدم فيها المتظاهرون مع قوات الشرطة وأنصار الرئيس مشرف وكانت حصيلته أربعين قتيلاً ومئة وخمسين جريحاً.

ويرى المراقبون أن ما حصل في كراتشي هو أكبر تحدٍ يواجه الرئيس برويز مشرف منذ استيلائه على السلطة في العام 1999، إذ تجمعت قوى المعارضة ضده وخاصة أنصار حزب الشعب بقيادة بنازير بوتو والتحالف الديمقراطي الإسلامي بقيادة نواز شريف.

ومن المعلوم أن هذين الزعيمين قد تناوبا على حكم باكستان منذ انتخابات العام 1988، إذ أصبحت بوتو رئيسة للوزراء مرتين، في حين تقلد نواز شريف المنصب ثلاث مرات، قبل أن يطيح به الرئيس الحالي برويز مشرف بانقلاب أبيض. ولم تكن هذه المظاهرات هي التحدي الوحيد للرئيس مشرف خلال سني حكمه، بل لقد تعرضت حياته إلى الخطر، إذ نجا من ثلاث محاولات اغتيال.

أما إقالته لقاضي القضاة افتخار محمد شودري فإنها تأتي من (باب الاحتياط) كما يقول دانيال ماركي، وهو خبير سابق عند البيت الأبيض للشؤون الآسيوية لجريدة النيويورك تايمز (16/5) فمشرف ينوي الاستمرار في الحكم بتأييد من البرلمان ومجالس الأقاليم الحالية، قبل أن تجري الانتخابات الجديدة التي وعد بها في خريف هذه السنة، وفوق هذا يريد الاحتفاظ بمنصب قائد القوات المسلحة، وهو ما لا يسمح به الدستور الباكستاني. وكان يخشى أن يقف قاضي القضاة ضد هذه النزعة، خاصة أنه حكم في كثير من القضايا ضد أشخاص ينتمون إلى الدائرة الضيقة لمشرف.

وقد حاول مشرف منذ قدومه إلى السلطة أن يضفي الشرعية على حكمه، إذ أعطته المحكمة العليا فترة ثلاث سنوات لحكم البلاد في الثاني عشر من مايو العام 2000، ثم عين نفسه رئيساً بدلاً من الرئيس محمد رفيق تارار في العشرين من يونيو 2001 ، وأجرى في الثلاثين من أبريل العام 2002 استفتاءً تم بموجبه تمديد ولايته إلى خمس سنوات، وقد أقر البرلمان الباكستاني مع مجالس الأقاليم الأربعة رئاسة مشرف في الأول من يناير العام 2004.

والقاعدة الاجتماعية السياسية التي يتكئ عليها مشرف إلى جانب المؤسسة العسكرية هي (جمعية علماء الإسلام) بحسب الكرستيان سينس مونيتور (26/9) وهي الجمعية التي تدير الآلاف من المدارس الدينية والتي خرّجت في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي أعضاء حركة طالبان. أما اليوم فهي تقف في صف مشرف.

وتقوم بالوساطة بينه وبين الحركة، وهذه العلاقة الحميمة - بحسب الصحيفة الأميركية - أفضت إلى إطلاق سراح المئات عناصر طالبان. وقد ظهرت الجمعية كقوة لا يستهان بها في الإقليم الغربي المتاخم لأفغانستان وفي إقليم بلوشستان، التي تغير بها المزاج السياسي لرجل الشارع بعد اغتيال زعيم قبلي بارز هو نواب محمد أكبر خان بغتي على يد الجيش الباكستاني. إن مشرف بحاجة إلى جمعية علماء الإسلام في هذين الإقليمين.

ولم تفلح الديمقراطية في أن تضرب جذوراً قوية في باكستان على عكس جارتها وعدوتها اللدودة الهند، فمنذ تقسيم القارة الهندية في العام 1947 بين دولة ذات أغلبية هندوسية (مع وجود أقلية مسلمة كبيرة) هي جمهورية الهند، وجارة لها تنقسم إلى شطرين: باكستان الشرقية (بنغلادش حالياً) وباكستان الغربية، أقول منذ ذلك التقسيم اختطت الهند لنفسها طريق الديمقراطية لتصبح مثالاً لها في مجتمعات العالم الثالث. أما جارتها باكستان، فقد توالت عليها الانقلابات العسكرية، ولم تهنأ بالحكم الديمقراطي إلا لفترات محدودة كانت مليئة بالاضطرابات التي سرعان ما كانت سبباً لوثوب العسكر إلى السلطة.

فباكستان - ومعناها أرض الطهارة - كانت تجسيداً لحلم الشاعر محمد إقبال في إنشاء وطن لمسلمي القارة الهندية، تلك الفكرة التي تبناها محمد علي جناح ليصبح أول رئيس لتلك الدولة لفترة قصيرة، حيث توفي في الحادي عشر من سبتمبر من العام 1948 ليخلفه لياقت خان الذي تعرض للاغتيال بعد سنتين من حكمه.

وكانت تلك الفترة فترة استقرار تمتعت بها باكستان بحكم نيابي، ثم دب الخلاف بين البرلمان والحاكم الجديد غلام محمد، الذي حل البرلمان في أكتوبر 1954 ليفسح المجال فيما بعد للجنرال أيوب خان للوثوب إلى السلطة في أكتوبر من العام 1985.

إن المعيق الأساسي لاستمرار النظام الديمقراطي كان في تلك المرحلة هو الصراع بين جناحي باكستان، الشرقية والغربية، حيث نمت دعوة الانفصال وتحقيق كيان سياسي مستقل في ذلك الجزء، ساعد على ذلك البعد الجغرافي بين البلدين الذي يتجاوز الألفي كيلومتراً.

وكانت حرب كشمير التي اندلعت في العام 1965 بين البلدين واتفاقية طشقند لحلها سبباً لاندلاع مظاهرات عارمة أدت إلى استقالة الجنرال أيوب خان لتجرى انتخابات في العام 1970 ويفوز بها حزب الشعب بقيادة ذو الفقار علي بوتو في الغرب وحزب عوامي بقيادة مجيب الرحمن بالشرق.

بيد أن البرلمان لم يلتئم، وأعلن مجيب الرحمن قيام بنغلادش في 26 من مارس 1971 لتنشب الحرب وتقف الهند مع الدولة الجديدة، ويتم وقف إطلاق النار في السادس عشر من ديسمبر 1971 بهزيمة لباكستان الغربية.

وحكم ذو الفقار علي بوتو بعد الهزيمة، وفي العام 1977 أجريت انتخابات جديدة فاز بها حزب الشعب بقيادته، إلا أن معارضيه اتهموه بالتلاعب بها وتزويرها ومن ثم اندلعت اضطرابات ضخمة أفسحت المجال أمام ضياء الحق للقفز على السلطة في الخامس من يوليو من نفس السنة.

حيث أعلن فيما بعد نفسه حاكما على البلاد (15/ 9/ 1978) وليدين ذو الفقار علي بوتو ويعدمه في الرابع من أبريل 1979. وقد حكم ضياء الحق منفرداً تقريباً إلى أن اغتيل في التاسع عشر من أغسطس العام 1988 بانفجار طائرته.

ولاشك أن تكلفة الاضطرابات السياسية التي رافقت نشوء وتطور الدولة الباكستانية كانت لها اكبر الأثر على أوضاعها الاقتصادية وعلى مستوى حياة شعبها الذي يفوق حالياً بعدده 164 مليوناً، حيث يعيش ربعهم تقريباً تحت خط الفقر، وحيث يعاني ميزان مدفوعاتها عجزاً بأكثر من ستة مليارات دولار.

ترى لماذا استطاعت الهند العلمانية الاحتفاظ بنظامها الديمقراطي منذ نشأتها إلى الآن ولم تفلح باكستان الدينية في ذلك؟ ولماذا تخطو الهند خطوات واسعة نحو النمو الاقتصادي لا يسبقها في ذلك سوى الصين، في حين تحبو باكستان في المضمار الاقتصادي حبواً؟!

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com