تشكل الأحداث الأخيرة التي يعيشها لبنان بعد تفجر الأوضاع في مخيم نهر البارد بين الجيش اللبناني وتنظيم «فتح الإسلام»، نتيجة منطقية لتراكم مجموعة أحداث وجدت لها أرضية خصبة في الواقع السياسي الطائفي والأمني الهش الذي يعيشه لبنان والذي تنعكس فيه كالمرآة تجاذبات السياسة الخارجية التي يدفع ثمنها لبنان باستمرار، كما يدفعه الفلسطينيون المقيمون فيه.
وإذا كان من السابق لأوانه تحديد اتجاه تطورات هذه الأحداث وتحليل آفاقها، إلا أن هناك من يضعها في إطار تصفية مجموعات إرهابية ناشطة في المنطقة العربية كان قد جرى غض الطرف عنها وربما تشجيعها لأسباب سياسية داخلية وخارجية، في حين هناك من يرى أنها تندرج في إطار السعي لإقرار المحكمة الدولية بشأن اغتيال الرئيس رفيق الحريري تحت الفصل السابع والخلاف حول هذه المحكمة.
أو تنفيذ القرار 1559 في جانبه الخاص بسحب سلاح المخيمات وتدويل الوضع اللبناني ومسألة التوطين. وبناء على نظرة كل طرف إلى الموضوع، يجري التراشق بالاتهامات السياسية في البلاد بين من يضع المسؤولية على السوريين أم على الحكومة أم على أميركا وغيره.
وبمعزل عن هذه الأحداث، فإن درجة تأثر لبنان بالتجاذبات الخارجية منذ قيامه غني عن التعريف، فمنذ الفترة الناصرية وحلف بغداد إلى نمو المقاومة الفلسطينية إلى فترة الخلافات العربية والغزو الأميركي للعراق، كانت الدولة اللبنانية تهتز مع كل تغيير في السياسة الإقليمية وكان اللبنانيون يعيشون أحداث هذه التطورات بحذافيرها، وهذا واقع معروف ومعاش.
وفي حين يذكر اللبنانيون فترة الخمسينات من القرن الماضي وكيف أنها قد أشعلت ساحتهم الداخلية بين تيارات مؤيدة وأخرى مناهضة للتيار الناصري حينها، فإنهم يذكرون في نفس الوقت أيضا أن الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 لم يكن ليحدث بالصورة التي حدث بها لولا خروج مصر من الصراع بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد مع إسرائيل.
وفي الحالتين دفع لبنان الثمن. كذلك فإن الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل على لبنان في يوليو الماضي قد جاءت نتيجة لغزو العراق من قبل أميركا وتداعياته بما فيها الخلاف مع سوريا وإيران. ويظهر من السجالات الدائرة في لبنان أن هناك تخوفا من أن يؤدي الحوار الجاري بين أميركا من جهة وسوريا وإيران من جهة أخرى حول العراق إلى تحويل لبنان إلى ورقة ضغط في يد المتحاورين.
وفي النهاية يكون لبنان أيضا مرشحا لدفع ثمن اتفاق قد يكون على حسابه، وهناك من يذهب بعيدا ليتحدث عن إمكانية قيام سوريا بتوقيع اتفاقية سلام ثنائي مع إسرائيل بينما يترك الجنوب اللبناني مفتوحا على مصراعيه أمام حرب إسرائيلية لبنانية جديدة.
فلبنان الذي اتسم تاريخه بالحساسية الشديدة تجاه التطورات الإقليمية، كان دوما مرشحا لدفع الثمن الأكبر في جميع الأحوال إن لم يكن قتالا بين اللبنانيين داخليا فمن خلال خوض الحروب مع إسرائيل.
وعلى هذا الأساس، فإن بعض السياسيين اللبنانيين يطالبون بنزع سلاح المخيمات الفلسطينية وحزب الله بحجة أن لبنان على مدى فترة طويلة من تاريخه ظل يدفع ثمن الصراع العربي الإسرائيلي، ويتساءل هؤلاء لماذا ما زال لبنان يخوض معارك مع إسرائيل في حين أن الدول العربية الأخرى المحاذية لإسرائيل قد عقدت اتفاقيات سلام أو في حالة هدنة معها.
وإذا كانت التجاذبات الخارجية، ولاسيما السياسة الاستعمارية الجديدة في المنطقة، تشكل مفجرا رئيسيا للأوضاع في المنطقة العربية ككل، وهي أصلا المسؤولة الأولى عن قيام دولة إسرائيل العنصرية التوسعية، فإن ضعف الموقف العربي يتحمل جزءا هاما من حالة الاستنزاف الدموية التي تعيشها المنطقة.
إلى جانب الواقع الداخلي اللبناني نظرا لما يشكله من أرضية خصبة في إطار نظامه السياسي الطائفي. لقد انشغل اللبنانيون لفترة طويلة في صراعهم على السلطة، ويؤمل أن تشكل الأحداث الأخيرة في مخيم نهر البارد دافعا إلى مراجعة الأطراف اللبنانية لمواقفها.
في سبيل إيجاد حلول توافقية تخرج البلاد من الأوضاع السياسية الراهنة التي تهدد بالانفجار الذي قد يبدأ لأي سبب دون أن يعرف أحد متى سينتهي، خصوصا وان هناك إسرائيل على حدوده تنتظر الفرصة السانحة لإشعال الحروب وإلهاء الأطراف اللبنانية في صراعات داخلية.