رفعت أميركا شعار "الفوضى الخلاقة" في إطار حملتها لتشكيل ما دعته "الشرق الأوسط الجديد" وبدأتها بأفغانستان عندما أسقطت نظام طالبان بسهولة مما فتح أمام البيت الأبيض شهية وحرية الحركة لتغيير كل ما يقف في طريق مخططاته.

ولوضع قطار "الشرق الأوسط الجديد" على سكة صنعتها واشنطن، رأت إدارة البيت الأبيض أن إطاحة النظام السابق في العراق، مع ما يمكن أن يجره ذلك، أمر أساسي لإعادة توزيع الأوضاع في الشرق الأوسط، كما أن ذلك سيقوي قبضتها في حرب عالمية شنتها على ما تسميه "الإرهاب"، خاصة أن المنظار الأميركي يحدد مصدر الإرهاب في الشرق الأوسط، يعني أن الطريق معبد أمامهم لاكتساح العالم ورسمه وفق منظور أميركي، فكان أن أصروا على استخدام القوة لحل أية مشكلة في أي مكان على وجه الأرض.

وبدأوا في العراق بإصرارهم على الحسم العسكري واستبعاد أي حل سياسي منذ الغزو، فكان الفشل واضحا في استمرار المقاومة وهي في عامها الخامس أقوى مما كانت عليه في الشهور الأولى للاحتلال، بل إن واشنطن لم تعلن أي تصور واضح عن العراق بعد الإخفاق المتواصل لحملاتها الأمنية، وتصر على رفض الانسحاب دون تقديم ما يمنح الأمل للعراقيين بأجل لانتهاء الاحتلال.

ورغم هذا الفشل الذريع، لم تراجع الإدارة الأميركية سياستها للبحث عن الخلل وتصحيحه، بل مارست نهج الهروب إلى الأمام رافعة راية "الفوضى الخلاقة" لتثبيتها في كل مكان متوتر، فبدلا من التهدئة في دارفور يسعى البيت الأبيض لتفجير الوضع، وبعد أن كانت الصومال هادئة تحت سلطة المحاكم، تحولت بسبب الضغط الأمريكي والتدخل الإثيوبي إلى ساحة حرب، وبدلا من التعقل في الملف النووي الإيراني تصر واشنطن على التلويح باستخدام القوة، حتى أصبح البيت الأبيض يرى الإرهاب في كل مكان متوتر، فيسرع لتقديم وصفته الجاهزة التي تقضي باستخدام السلاح لحل المشاكل.

وهكذا أوصل الهوس الأميركي بالإرهاب العالم إلى نقطة وصفتها منظمة العفو الدولية بجعل العالم ساحة معركة كبيرة، ساحة ضاعت فيها حقوق الإنسان باسم المحافظة عليها، وعالم صار أقل أمنا بسبب جهود البيت الأبيض لجعله أكثر أمنا.

"الفوضى الخلاقة" التي روج لها مسؤولو البيت الأبيض خلطت أوراق السياسة الدولية وأخلت بتوازناتها، وغيرت مقاييس العلاقات الدولية، فصار التقرب من واشنطن ضمانا لانتهاك حقوق الإنسان دون رادع، بل إن سجل واشنطن في مجال حقوق الإنسان ساء بدرجة كبيرة، فهي ترفع لواء حماية حقوق إنسان بعض إخوانه يقبعون في "ضيافتها" بغوانتانامو.