من سوء طالع الشعب الفلسطيني أن تتزامن مآسيه الماضية بمآس جديدة ترتكب باسمه في انكسار مفجع، وتهدر فيها دماء أبنائه، وتدمر ممتلكاته العامة والخاصة دون اتعاظ أو رأفة به وبظروفه القاسية التي يعيشها في ظل الفاقة الاقتصادية وممارسات الاحتلال وحصاراته.

فبكل عقودها المؤلمة، مرت الذكرى التاسعة والخمسون لنكبة فلسطين قبل أيام، والشعب الفلسطيني يعيش في ظل أزمات موجعة تدمي القلوب عبر تلك المشاهد المخزية من عمليات الاقتتال الفلسطيني الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس في شوارع وأزقة مخيمات قطاع غزة

، في تنازع غير مبرر بين الطرفين الأكثر حضوراً في الخارطة السياسية الفلسطينية، وهو التنازع الذي استطال منذ فترات سابقة متخذاً ابعاداً دموية جراء الاشتباكات بين مختلف المجموعات المسلحة المنتمية لكل من الحركتين في قطاع غزة بشكل رئيسي.

فقد انهارت القشة الهشة للحالة الأمنية الرخوة داخل البيت الفلسطيني، وظهر مدى استفحال العداء لإمكانية النهوض بعمل توحيدي داخل الساحة الفلسطينية وفي إطار حكومة الائتلاف الوطني، وذلك بفعل تحريض البعض القليل من متنفذي مراكز القوى من أصحاب الرؤوس الحامية الذين أدماهم وأعماهم «الفجع السلطوي».

إن الانحدار الموجع والمفجع في الحالة الفلسطينية في قطاع غزة وعموم الأرض الفلسطينية تتحمل مسؤوليته بشكل رئيسي كل من حركتي حماس وفتح. فتراجع نسب الاستجابة للخيار الديمقراطي الفلسطيني، والوقوع في مطب المحاصصة على كعكة السلطة وتقاسم النفوذ،

وامتلاك البعض لأجندات مغايرة للإجماع الوطني الفلسطيني كانا سبباً كبيراً في اندلاع التباينات وانتقالها إلى الأرض بلغة الاحتراب والتطاحن بالبنادق والقذائف الصاروخية، فقد أمست الحكومة الائتلافية برأسين اثنين ضاع بينهما طلاب الوحدة الوطنية.

وعليه، ان خطوات سريعة مطلوبة، تتجاوز خطوات التسكين المؤقتة، وتتجاوز منطق الصلح العشائري ومنطق تبويس اللحى، لوقف عمليات الانقلاب بالنار، باتت الآن مهمة رئيسية يتطلب انجازها توفير الدعم والإسناد للرئيس محمود عباس والكف عن إضعافه داخلياً وخارجياً،

وإسناد حكومة الوحدة الوطنية برئاسة إسماعيل هنية بكل مقومات الفعل والتأثير، وذلك عبر خطوات سريعة تمكن الجميع من الانتقال إلى تكريس الحل الحقيقي لضبط الوضع الداخلي وإعادة الهيبة والاحترام للمؤسسات الوطنية على تواضع حضورها، وأولى الخطوات المطلوبة تتمثل في:

1. اتخاذ قرار إجماعي ووضع الآلية المناسبة لضبط ومنع السلاح غير الشرعي في مناطق السيطرة الفلسطينية من أيدي الأفراد، إن ضبط حالة الفلتان النسبية في ظل فوضى السلاح العارمة خصوصاً في قطاع غزة، يشكل حاجة ملحة لمنع نمو ظاهرة العصابات الأخطبوطية التي ترتدي ثياب المقاومة.

2. حل مشكلة القوة التنفيذية ومعها مشكلة الأجهزة الأمنية المنفلتة والمنتشرة كالفطر، وتوحيدها تحت قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية والحكومة الائتلافية، بدلاً من إبقائها ملكاً خاصاً تحت قيادة هذا أو ذاك.

3. إبعاد السياسة عن الجيش والأجهزة من خلال إخراج الأجهزة الأمنية والقوات العسكرية خارج دائرة التباين السياسي في الساحة الفلسطينية، ووقف التدخلات الفصائلية في تركيبتها.

4. ان إدارة السياسات الداخلية وحتى الخارجية بمختلف أوجهها بحاجة ماسة إلى احترام السلطة والقانون، والعمل المشترك بين مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية خصوصاً بين حركتي فتح وحماس.

5. العودة فوراً إلى طاولة العمل الجدي والمجدي من أجل حل العناوين الرئيسية المتعلقة بمستقبل المؤسسات الوطنية الفلسطينية، ونعني بالضبط وضع منظمة التحرير الفلسطينية.

وفي المحصلة، ان الشعب الفلسطيني بقاعدته العريضة لا يملك من ثروة سوى فطرته الكفاحية المتوالدة مع أجياله، ومشروعية نضاله وارثه الديمقراطي الذي لم تصنعه له أو تأتي به أحزاب الساحة، فهو يحتاج بالضرورة إلى قيادات وقوى استثنائية حضوراً وعملاً وسمواً وارتفاعاً في قاماتها بعيداً عن التناحر الدموي ومنطق الإقصاء الذي استنزف، جزءاً هائلاً من المخزون الحقيقي والفعلي للحركة الوطنية الفلسطينية.

كاتب فلسطيني ـ دمشق