الوضع في مخيم نهر البارد، كما في غزة يعيش حالة رخوة من الهدنة. في الأول تواصل وقف إطلاق النار؛ مع ما رافقه من عمليات نزوح وإخلاء. في القطاع لا تزال المواجهات بين «فتح» و«حماس» متوقفة بناء على توافق تمّ التوصل إليه. لكن في الحالتين الهدوء نسبي وهش.

فضلاً عن أنه مشوب بالحذر الشديد. عناصر الخطر والتفجير لا تزال قائمة، كل ما حصل لا يزيد على فسحة صغيرة تقاطعت عندها مصالح الأطراف المتصارعة، المفارقة أن هذه الفسحة تبدو بحجم الإنجاز. ما سبقها، في «البارد» وغزة، جعل منها مطلباً؛ تضافرت جهود عديدة، لتحقيقه، في الساحتين.

كانت الحاجة ماسة لالتقاط الأنفاس، كما أن الهدنة، على هشاشتها، توفر فرصة للبناء عليها وتطويرها، بحيث تنتقل من الأجواء المهددة بالانتكاس إلى ضفة الأمان، وهنا الوقت من ذهب. ترف التأجيل، لا مكان له. اللحظة تدعو إلى الاستعجال، حتى اللحظة، التحركات بطيئة؛ في أحسن أحوالها. وذلك بحد ذاته مجازفة؛ لا تحتملها الحالة الراهنة، السريعة العطب.

في غزة ذهب رئيس السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، أول من أمس، للاجتماع برئيس الحكومة؛ في محاولة لترميم الوضع المعروف. وكانت هذه الزيارة قد تأجلت، أكثر من مرة في الآونة الأخيرة. ثم جرى تأجيل اللقاء بينهما؛ بداعي الاعتبارات الأمنية.

طبعاً، لكلا الجانبين ظروفه وموانعه. والسبب الأمني مشروع ولابد من أخذه بالحسبان. لكن ذلك لا يلغي المفارقة. فإذا كان التأجيل هو لغة هذه اللحظة الفلسطينية الحرجة والدقيقة، إذن متى يكون للاستعجال مسوغاته ولزوميته؟

ليس سراً أن التوتر بين «فتح» و«حماس» على حاله. أسباب الاقتتال المخجل والمحرج الأخير، لا تزال قائمة. بوجود السلاح واستمرار الخلاف على حاله، لا تؤدي الهدنة، إذا طالت وغرقت في المراوحة، سوى إلى رفع منسوب الاحتقان؛ الذي يبقى انفجاره مرهوناً بحصول أقل احتكاك.

لاسيما وأن لقاءات عديدة سابقة واتفاقات كثيرة تم التوصل إليها، مع إعلان الالتزام بها ـ ذروتها كان اتفاق مكة ـ؛ كلها فشلت في وضع حد لدوامة المواجهات الدموية؛ التي لا تغيب إلا لتعود من جديد وقبل أن يجف حبرها، إلى دوامتها القاتلة.

الأمر الذي أضعف مصداقية اللقاءات والتوافقات عموماً. ومن هنا أهمية أن يتمخض لقاء الرئيسين الآن عن قرارات وإجراءات ومواقف، يصار إلى الإسراع في وضعها موضع التنفيذ؛ إذا ما كانت الغاية طي ملف الصراع الدموي الأهلي.

كذلك هو الحال في أزمة مخيم نهر البارد. سكت الرصاص لضرورات وضغوطات أمنية ـ عسكرية. بالتحديد لإنقاذ المدنيين الذين دفعوا ثمناً باهظاً ووقعوا ضحية تقاطع النيران. ثمة إجماع لبناني ـ فلسطيني على إنهاء الوضع الشاذ في المخيم.

مجلس الجامعة العربية، في اجتماع استثنائي له أمس، منح الدعم لمثل هذه الخطوة. التوافق اللبناني ـ الفلسطيني كان الضمانة في عدم الوقوع في فخ تحويل مشكلة طارئة إلى مواجهة بين الجانبين.

عبور هذا الامتحان بسلام مطلوب تعزيزه وتدعيمه لتفويت وتعطيل صواعق أي ألغام من هذا النوع؛ يمكن أن تنشأ. في «البارد» وفي غزة، الحاجة ضاغطة لتحصين الساحتين. الهدنة في كليهما حالة مؤقتة. لوحدها لا تدوم. والخيارات الأخرى خطيرة ومعلومة للجميع.