إذا كانت عناصر ما يسمى بـ »المقاومة الاسلامية« افتتحت موسم الصيف الماضي في لبنان بحرب تدميرية في الجنوب, قدمت لاسرائيل البشر والحجر على طبق من الفضة, فإن عناصر ما يسمى بـ »فتح الاسلام« افتتحت هذا الصيف في الشمال, باغتيال 23 جنديا لبنانيا بدم بارد, في مخيم النهر البارد وهددت باشعال براكين لايخمدها الا الواحد الاحد.

هكذا وبكل بساطة, وكأن لبنان ليس دولة ذات سيادة بل مرتع لكل ارهابي ومتطرف ووكيل اجنبي ومعقب للمعاملات الاقليمية وساحة لتوجيه الرسائل بدماء الابرياء.

ومن نافل القول ان النسبية التي تجوز في امور كثيرة, تصبح محرمة في قضايا الحق والحرية والسيادة الوطنية, فلا اجتهاد ولا تعددية مع هذه الثوابت, وكما ان الحق يكون أو لايكون, كذلك هي السيادة التي تحسم وجود الدولة بالسلطة القوية العادلة التي تظلل الارض والمجتمع.

ان الحكومة اللبنانية الحالية, هي هذه السلطة المفترضة, كونها جاءت الى سدة الحكم على قاعدة انتخابات شرعية ودستورية اعترف بها العالم كله, وهي آلت على نفسها ان تبني قواعد الدولة والمؤسسات, مدعومة بإجماع قل نظيره من المجتمع الدولي والعربي الذي تطلع الى استعادة لبنان دوره, كنموذج للتعايش والتعددية والحرية في هذه البقعة من العالم.

صحيح ان النظام السوري رفض, ولايزال يرفض قيام الدولة في لبنان, وعمل ولايزال يعمل على تفجير ركائزها بكل الاساليب, فهو مشبع بنظرية البعث في التوسع الاقليمي وفي اغتصاب الحق الوطني... وهو ممتلئ حقدا على الشعب اللبناني الذي انتفض بوجهه واجبره على الانسحاب من حياته وارضه ومصالحه واقتصاده, ووضعه في دائرة الاتهام امام محكمة دولية مقبلة حتما.. وقريبا.

وصحيح ان النظام الايراني يفضل ان يبقى لبنان ورقة قابلة للمساومة والمقايضة والمتاجرة, وليس دولة قائمة بكل مقوماتها فتراه يلعب بالدبلوماسية على حبل السيادة والحكومة في الوقت نفسه الذي يملأ فيه مخازن »حزب الله« بالأسلحة والصواريخ, ويعمق لديه المشاريع الانقسامية والانفصالية.

وقبل هذا وذاك, هناك قوى لبنانية في الهوية, تمارس العمالة من دون حياء, ولديها الاستعداد الكامل لتحويل وطنها الى منجم جماجم, والى مقالع حجارة خدمة لمصالح خارجية.

لكن هذه التحديات جميعا تتطلب من الحكومة الشرعية ان تعالجها بقوة وحسم, وان تضطلع بدور اكثر صلابة في الدفاع عن مصالح الوطن والمواطن, فالمسألة لم تعد مجرد حوار داخلي تتعدد فيه الحسابات السياسية, بل اصبحت تمثل خطرا فعليا على الكيان الوطني اللبناني بحد ذاته, إذ أين المنطق في نشوء دويلات داخل الدولة؟

وما التبريرات لاصطناع محميات أمنية وجزر مقفلة من مخيم رياض الصلح الى سائر المخيمات الفلسطينية؟ وماذا هناك أخطر من ذلك؟

ان من واجب الحكومة اللبنانية اليوم ان تصون الامانة التي حملتها, وعلى الجيش اللبناني الذي سقط منه هذا العدد الكبير من الشهداء والجرحى ان يفي بوعده وعهده لوطنه ولشعبه فيكون ملتزما بشرعيته, وليس لعبة بأيدي السياسيين اصحاب المصالح ممن تهبط عليهم الايحاءات الخارجية, أو الدمى المنصوبة في بعض المراكز والمواقع الرسمية.

لقد نبهنا دائما على صفحات »السياسة« وخصوصا في الايام الماضية, من احداث وتفجيرات يتم التحضير لها لتطويق إقرار المحكمة الدولية ولضرب استحقاق الانتخابات الرئاسية, وما نشهده اليوم يأتي ترجمة لهذه التحذيرات وتنفيذا لتلك المؤامرات التي تم التخطيط لها في الغرف السوداء, حيث يظن اصحابها ان بإمكانهم تغيير العالم بكبسة زر, وانهم رغم ضعفهم المكشوف للكبير والصغير, قادرون على اشعال المنطقة من البلقان الى افريقيا.

وكما سمعنا بالامس عنصرا من »حزب الله« يحذر الامم المتحدة من اقرار المحكمة الدولية, فقد نسمع اليوم ان هذا الحزب الذي ارغم نبيه بري على اقفال مجلس النواب يريد ان يدفع بأن كي مون لإغلاق أبواب الامم المتحدة ويهيئ نفسه لنصب الخيم في نيويورك!

حقا رحم الله امرأ عرف حده فوقف عنده, وقد آن الأوان لهؤلاء ان يعرفوا حقيقة احجامهم, وبأن العالم ليس ساحة رياض الصلح, ولا ساحة المرجة, ولا ميدان طهران, وان المجتمع الدولي لا تؤثر فيه مسميات من طراز جند الاسلام, وفتح الاسلام, وعون الاسلام, وابو عدس, وابوحمص, وأبو محجن, وأبوهريرة, وكل ابوات العصر الخشبي!

الفرصة الآن هي في يد الحكومة اللبنانية الشرعية... والامانة تناديها كي تتحرك بما لديها من أوراق قوة وسلطة ودعم دولي وعربي والتفاف شعبي لبناني, لتسترد الدولة... بل لتستعيد الوطن المخطوف وبقوة, حتى لاتسأل مستقبلا انها قصرت في أداء واجبها تجاه لبنان.. ولبنان أولا!