في عالم مضطرب تجتاحه جيوش وأساطيل الاستعمار الجديد، ويعشش في أركانه الإرهاب والإرهابيون، وتنقلب فيه المفاهيم والمصطلحات، وتنحدر القيم والمثل الإنسانية إلى أدنى مستوياتها؛ في هذا العالم المتجه بسرعة الضوء نحو الفوضى الشاملة وقانون الغاب، ماذا يعني أن تحتل سورية المرتبة الأولى عالمياً من حيث الأمن والأمان؟

وماذا يعني أن تجتاز سورية كل الأزمات والمحن التي تعرضت لها طوال السنوات الماضية، وتعود لتحتل مكانتها المؤثرة في المنطقة، ويعود الذين حاولوا عزلها إلى فتح الحوار معها؟ ‏

لسنا من هواة الخطابات الطنانة الرنانة والمبالغات والتبجح؛ فما نقوله ليس من صنعنا أو اختراعنا.. إنه شهادات دولية عبر دراسات موثقة معروفة لدى الجميع.. وإن كنا نستذكره الآن فلكي نصف الحالة السورية التي تتجلى بأوضح صورها هذه الأيام. ‏

فالسوريون اليوم يرسمون لوحة حية لهذا الأمن الذي تعيشه سورية، ويعطون العالم الصورة الحقيقية لهذا البلد، ويجيبون عن الأسئلة الحائرة التي تدور حول سر هذه الحالة الأمنية النادرة في عالم مضطرب، وهذا التماسك الداخلي وتلك الوحدة الوطنية. ‏

لعل نظرة محايدة إلى ما يجري في العالم عموماً، وفي منطقتنا على وجه الخصوص ستخلص إلى نتيجة منطقية تستند إلى الوقائع، مفادها: إن الفوضى تعمّ الشرق الأوسط من أفغانستان إلى المغرب، وإن شلالات الدم تسيل هنا وهناك، إما بفعل الجيوش الغازية وما تقترفه من جرائم حرب وانتهاكات لحقوق الإنسان؛ وإما بفعل الإرهاب الذي خلقته ورعته القوى نفسها التي تدّعي كذباً اليوم أنها تحاربه.. وتجربة «المجاهدين» الأفغان خير دليل.. ولا نظن أننا نحتاج إلى إعادة التذكير كيف صعد نجم «المجاهدين» ولماذا وكيف تحولوا إلى «إرهابيين» والظروف التي قلبت المصطلحات الأميركية وجعلت حلفاء وأذناب الأمس أعداء اليوم؟!! ‏

الإدارات الأميركية هي التي أطلقت بعبع الإرهاب من قمقمه، وهي التي دفعت قبل غيرها ثمن هذه السياسة الأميركية المقامرة. لكن إدارة بوش هي التي تمادت في هذه السياسات الى حد غير مسبوق إلا في الحرب العالمية الثانية، ضاربة عرض الحائط بالقوانين الدولية وبالمبادئ والشرائع الأرضية والسماوية على حد سواء. ‏

ولأن هذه الإدارة هي الواجهة السياسية التنفيذية للمحافظين الجدد، فهي تترجم حرفياً توصيات ونظريات هؤلاء المحافظين الذين يعتنقون العقيدة الصهيونية وبروتوكولات حكماء صهيون وخرافات وأساطير التلمود.. وهذه التوصيات والنظريات وتلك البروتوكولات والأساطير، تقضي بإحراق العالم كرمى لعيون «شعب الله المختار» وتمهيداً لمعركة «هرمجدو» الأسطورية التي تباد خلالها البشرية باستثناء هذا «الشعب المختار»!. ‏

ما نشهده في العالم، وفي منطقتنا هو الترجمة الحرفية لكل وصايا المؤتمرات الصهيونية؛ لذا فإن العراق يذبح في وضح النهار، وتغذى فيه النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية، وشعب فلسطين أصبح تحت سكين الإرهاب الإسرائيلي بمباركة أميركية وصمت دولي، ولبنان أضحى عرضة «للفوضى الخلاقة» وللتدخلات الخارجية من الموفدين القادمين من وراء البحار، وللسفراء والقناصل.. بينما الإرهابيون يضربون في هذا البلد العربي أو ذاك، لتعميم الفوضى التي ستكون المناخ المناسب لتمرير المشاريع الصهيونية تارة بشكل مباشر، وتارة بشكل غير مباشر يحمل تسميات أميركية كمشروع الشرق الأوسط الجديد. ‏

هذه هي الأجواء في مشرقنا العربي.. ولهذا تصبح سورية نموذجاً في الأمن والاستقرار والتعايش والتسامح بين جميع أطياف شعبنا السوري. ‏

والسوريون عندما يخرجون في مسيرات حب وولاء في كل قرية وبلدة ومدينة، فإنما هم يعبرون عن هذه الحالة السورية الإيجابية، ويعلنون تأييدهم لنهج سياسي، وقائد مستوعب لمتطلبات شعبه، ومدرك لأبعاد ما يجري على الساحتين الإقليمية والدولية، ومدافع عن الحق والكرامة والسيادة والاستقلال. ‏

الاستفتاء بعد أيام، مناسبة أمام السوريين يعلنون من خلالها أن خيارهم هو سورية القوية العزيزة.. وهو استفتاء من أجل الحفاظ على أجواء التسامح والتآخي في عالم مضطرب ومن أجل البناء والعمل، لندخل المستقبل من أوسع الأبواب، ولنحافظ على وطن حر قوي سليم تفتخر به الأجيال القادمة.