بعد حملة انتخابية ساخنة دخل نيقولاي سركوزي قصر الاليزيه، غير أن البرنامج الانتخابي والحملة الانتخابية أسهل بكثير من إدارة عملية لسياسات وشؤون داخلية وخارجية، فبين تلك المسألتين مساحة واسعة من التقلبات والمتغيرات المحلية والدولية تضع رئيس كل بلد في حينها في وضع حرج يتطلب مواقف وسياسات تتخطى ما يكتبه المرشحون في برامجهم الانتخابية، إذ لم يضع بلير عندما صعد في الدورتين الانتخابيتين في حسبانه أحداث سبتمبر والحرب التي ستنتج عنها تلك الأحداث.
ولكنه في الدورة الانتخابية الثالثة 2005 ـ شعر بوطأتها ـ والتي شكلت لحزب العمال حدثا تاريخيا فقد أصبح بلير أول زعيم عمالي يفوز برئاسة الحكومة للمرة الثالثة على التوالي، ولكنه عجز عن الاستمرار في تأدية دوره السياسي فقرر الرحيل من منصبه في السابع والعشرين من شهر يونيو، بضغط من الحزب نتيجة تورطه في سياسات خارجية انعكست سلبا على حياة الحزب الداخلية وعلى رصيده الشعبي في الشارع البريطاني، مما يعني أن صعود المحافظين أمر ممكن.
خاصة بعد استطلاعات الرأي، لذلك تقتضي الضرورة السياسية الحفاظ على الحكم بدلا من استمرار رئيس وزراء يشكل وجوده عائقا مستقبليا، فجاء وقت الرحيل من داونينغ ستريت ولتمنح جوردان براون، فرصة المران والمسك بزمام الحكم والملفات الساخنة لكي يتهيأ للانتخابات القادمة وليمنح الحزب خليفة بلير مرحلة التجريب في مدة زمنية قد تزيل عن الشارع الآثار السلبية لحرب العراق وشعور البريطانيين أن بلادهم فقدت استقلاليتها نتيجة تبعية بلير الخارجية للولايات المتحدة الأميركية، بل وبدؤوا يرددون أن بريطانيا صارت ولاية أميركية في الاتحاد الأوروبي.
وزاد من المعضلة الداخلية اتساع حجم الاحتجاجات المناهضة للحرب، وقد أكد هذا الموقف الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر، الذي وصف موقف بلير بالأعمى والخانع للرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، بسبب الدعم اللا مشروط وسوء المشورة للرئيس بوش في العراق، فشكلت مأساة عالمية وتسببت في انقسامات عميقة على النطاق العالمي. متهما كارتر بلير بأنه لو نأى بنفسه عن سياسة إدارة بوش خلال الفترة التي سبقت الغزو لربما أحدث الأمر فارقا حيويا في الرأي السياسي العام في الولايات المتحدة وبرحيل بلير ونقد كارتر الذي يسعى بهدف الانتخابات القريبة ضعضعة شعبية المحافظين.
ونتيجة لأزمة الحرب في العراق حدث شرخ داخل الحكومة وحزب العمال، خير من عبر عنها في منتصف شهر ديسمبر من العام 2006، الجنرال ريتشارد دانت، رئيس أركان الجيش البريطاني بدعوته لضرورة سحب القوات البريطانية من العراق وفي اقرب وقت بقوله: إن خطط الحرب التي سبقت الغزو افتقرت إلى الدقة وكانت ضعيفة واستندت على الأرجح على التفاؤل أكثر من التخطيط السليم، وأدلى دانت كأرفع مسؤول عسكري بريطاني بتفاصيل تناقض موقف بلير كأبرز حلفاء الرئيس الأميركي في خطط الغزو.
وحاولت مارغريت بيكيت وزيرة الخارجية البريطانية انتشال الموقف المتضارب داخل حكومة تأزم حزبها من الداخل نتيجة انقسامات في الموقف من حرب العراق ونتيجة لتصاعد خطاب الاحتجاج اليومي المتسارع في بريطانيا تحت شعار «أعيدوا أولادنا لنا من العراق،،. فقالت: إن القوات البريطانية ستظل في العراق ما دامت هناك حكومة عراقية تطلب ذلك، تفاديا لحالة عدم استقرار أكبر، وأكدت أن انسحاب القوات في هذا المنعطف الحرج، حيث لا يزال مصير البلاد متأرجحا، سيجعل من الإرهابيين المنتصر الوحيد».
وقد جاءت تصريحات بيكيت يومها على ضوء مؤشر هام هو سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس الأميركي واستقالة رامسفيلد.. ولم يخف بلير شعوره بالفشل في العراق، ففي شهر أكتوبر من العام الماضي صرح للصحفيين قائلا: «اعرف أنكم ترغبون بتصويرنا وكأننا نرغب بالبقاء في العراق للأبد.
ولكن سياستنا ليست كذلك، إننا نسعى للانسحاب من العراق» وبين تصريحات عسكري بريطاني كبير أعقبت بأسابيع قليلة ما قالته مارغريت، يعزز حقيقة وجود خلافات عميقة وباتساع التصدع داخل الحزب العمالي، فكان عليه تدارك خطورته مبكرا، ولا يجوز أن تربح حكومة حزب العمال في العراق وتخسر في بريطانيا، والجمهور الذي بسببه فاز الحزب ثلاث مرات، فمن أولويات أي حزب حساباته الانتخابية الداخلية.
وهي مفتاح هام لبقائه، يتلازم مع سياسات اجتماعية واقتصادية تحقق للناس الازدهار والرخاء المعيشي. بعد أسبوع من تصريحات دانت طار براون إلى البصرة كوزير للخزانة ورجل يعد نفسه كخليفة لبلير ليمتص غضب الشارعين العراقي والبريطاني وبأن سياسة الحزب القادمة هي للاستثمار والتعمير مقدما في تلك الزيارة الخاطفة من ديسمبر عام 2006 مئة مليون جنيه إسترليني لدعم الجهود الأمنية وإعادة الأعمار في جنوب العراق.
ما يهمنا نحن العرب الآن ليست أغنية بوتشيللي «حان الوقت لكي نقول وداعا» بتكرار سماع خطاب بلير التوديعي عن تورطه في الحرب انه فعل» ذلك من اجل بريطانيا،، إذ وجدناه بعدها يحلّق إلى واشنطن كرحلة توديع وطمأنة للشراكة والتحالف،وليعلن من واشنطن بأنه غير نادم على غزو العراق بل وأكد مجددا، بأنه هو وبوش اتخذا قرارا صعبا للغاية واعتقدنا حينئذ وما زال يعتقد أنه كان القرار الصائب». ومن واشنطن طار إلى بغداد حاملا في «حقيبة التطمينات!!» لحكومة المالكي بأن مغادرته للمنصب لا تعني نهاية الدعم البريطاني.
وكمعزوفة تقليدية ردد بوش وبلير أنهما سيظلان حليفين في مكافحة الإرهاب ويعملان من اجل مصلحة السلام العالمي. فهل يكافئ بوش صديقه بلير براتب كبير في ترؤس البنك الدولي كعرفان لدوره التاريخي في خلافة بول وولفويتز، فالمفوضية الأوروبية تستعجل بسرعة تعيين خليفة لرئيسه المستقيل، الذي غادر بفضيحته، لنرى رئيسا جديدا بثقافة انكلو سكسونية كجسر بين القارتين.
إن رحيل بلير خسارة أميركية غير أن صعود سركوزي المعجب بنمط الاقتصاد الأميركي مكسب جديد قادر على التنفيس عن قلق البيت الأبيض، في وقت لا توجد فيه ضمانات لبقاء بوش نفسه في العام القادم في موقع الرئاسة لا كشخص وحسب بل وكحزب للمحافظين الجدد، أما الشارع العربي فلن يحزن كثيرا على رحيل بلير بقدر ما يضع يده على قلبه، بأن سركوزي لن يكون نصيرا للقضايا العربية وسيتحول كبلير فرنسي يدخل فرنسا في تبعية جديدة للبيت الأبيض فيكرر خطأ بلير التاريخي لكي يغني الفرنسيون بعدها «حان الوقت لكي نقول وداعا» لفرنسا الأوروبية.
كاتب بحريني
