فيما تواصل اسرائيل تصعيدها العسكري ضد قطاع غزة بالقصف والغارات والاغتيالات والترويع ضاربة عرض الحائط بالنداءات الدولية ورافضة دعوات التهدئة والحؤول دون انهيار عملية السلام وذهاب المنطقة باسرها الى الفوضى وسيادة خطاب العنف والتطرف، تبدو الحاجة ملحة فلسطينيا الى اعادة قراءة مشهد الصراع الدامي وترتيب البيت الداخلي على نحو لا يسمح لاسرائيل بالاستمرار في تسويق خطابها القائم في الاساس على نفي وجود شريك فلسطيني والتي زادت حدة المواجهات المسلحة الدامية والمؤسفة التي دارت في قطاع غزة بين حركتي حماس وفتح الى زيادة عدد الذين صدقوا الاكذوبة الاسرائيلية وخصوصا ان اسرائيل لا تبدي أي نوع من المرونة ولا الرغبة بالتأكيد في الالتزام بأي من قرارات الشرعية الدولية او اتفاقات جنيف او حتى التجاوب مع مبادرة السلام العربية التي شكل تجديد قمة الرياض العربية التي عقدت في اواخر اذار الماضي فرصة سانحة امام تسوية تاريخية تسمح بوضع حد للصراع الفلسطيني الاسرائيلي وبتدشين عصر جديد للمنطقة تدخل فيه شعوبها والدول الى فضاء التنمية وتكريس الموارد والطاقات والارادات والكفاءات لصالح محاربة الفقر والبطالة والامراض والاوبئة والفقر والجفاف وتلوث البيئة.

من هنا فان ما يجري من اقتتال بين الاخوة الفلسطينيين ليس فقط يزيد من معاناتهم وبؤسهم بل هو ايضا يبعد اهتمام المجتمع الدولي بالقضية الفلسطينية ويأخذ بالجهود المبذولة حاليا باتجاه قضايا وبؤر توتر اقليمية ودولية اخرى ناهيك عما يمكن ان يلحق بالمشروع الوطني الفلسطيني الرامي الى قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة تعيش في امن وسلام متبادلين مع اسرائيل وترفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني .

واذا كانت الاشتباكات المؤسفة التي وقعت في الفترة الاخيرة بين الاشقاء في غزة قد كشفت عن هشاشة الوضع الامني واتفاقات الهدنة المتعاقبة وعرضت اتفاق مكة لمخاطر جدية بل بات مصير حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية في مهب الريح فان الوقت قد حان لان يتوافق ممثلو الفصائل والتنظيمات الفلسطينية وخصوصا في فتح وحماس على رؤية وقراءة وبرنامج واضح وعملي يعيد الاعتبار لدور الاجهزة الامنية في وقف كل انواع الفلتان الامني وان تكون لها مرجعية واحدة وان يعاد الاعتبار لدور السلطة الشرعية بعيدا عن لغة المحاصصة او الجهوية او الفئوية او تحويل غزة الى جزر امنية تابعة لهذا التنظيم او ذاك .

عامل الوقت ضاغط واضاعة المزيد من الوقت تعني منح اسرائيل المزيد من الرياح لاشرعتها التي تنهض على لعب شراء الوقت وعلى سياسة الامر الواقع ورفض التجاوب مع دعوات السلام والمفاوضات وبناء المزيد من المستوطنات واستكمال جدار الفصل العنصري وقبل كل شيء الاستمرار في عربدتها واذكاء نار الفتنة بين الاشقاء وزرع المزيد من الموت والقتل والدمار في صفوف الشعب الفلسطيني وما تبقى من بناه التحتية ومرافقه وتحويل حياته الى جحيم لا يطاق.