دخلت الأزمة اللبنانية مرحلة خطيرة أمس، وبغض النظر عن ماهية الأطراف المتورطة فيها ودوافع كل منهم، فإن الحاصل هو نزيف دم غير مبرر أو مسوغ بأيدي السياسيين يدفع ثمنه كالعادة المدنيون الأبرياء.

ما يحدث في مخيم البارد الآن جريمة كبرى ترتكب. بضع مئات تحت أيديهم آلاف الرهائن ويهددون باشعال كل لبنان من اجل تحرير القدس..!، هكذا وبهذا المنطق المغلوط أصبحنا نرى الحقائق، وبنفس هذا المنطق أصبح رد الفعل، والنتيجة قصف عشوائى من الجانبين سقط فوق رؤوس الجميع دون تمييز أو تحذير.

ما يحدث هناك لا يمكن فهمه بمعزل عما يحدث من تداعيات سواء في فلسطين أو العراق أو قضية اغتيال رفيق الحريري. فهناك أكثر من همزة وصل تربط بين مختلف تلك القضايا. وبدون الخوض في تفاصيلها، فمحاولات خلط الأوراق وذر الرماد في العيون، من الممكن أن تفيد في لحظات سياسية معينة، ولكن بالتأكيد من المستحيل أن تنجح في إخفاء الحقائق إلى الأبد.

الرهانات والألعاب النارية التي تشهدها لبنان حاليا والتي تصاعدت منذ الهجوم الإسرائيلي الصيف الماضي على قرى الجنوب هي التداعيات الطبيعية التي خلفتها جريمة الحريري.

إذا كان الباحثون عن حل لأزماتهم الداخلية سواء في الأحزاب أو الفصائل أو الحركات أو الحكومات ينوون الاستمرار في الهروب إلى الأمام، ولعب هذا الدور داخل لبنان تحديدا، فإنهم بذلك يراهنون بما هو استراتيجي مقابل ما هو تكتيكي.

وهم ايضا قرروا ان يضحوا بالفسيفساء اللبناني الذي تكون على سنوات طويلة وضم كل متناقضات الأمة العربية، والذي كان ولا يزال يمثل النموذج البديع والفريد في الشرق الأوسط.

ولكن في المقابل وبعيدا عن الرهانات فإن الأمل يظل معقودا على الذين استفادوا من التاريخ واستوعبوا تجاربه والحديث هنا عن المواطن اللبناني الذي خبر أهوال الحرب الأهلية.

وبالتأكيد فإن المناخ المزاجي العام في لبنان لا يتواءم مع محاولات دفعه إلى الدخول في حرب أهلية جديدة، هم أنفسهم عانوا من ويلاتها طيلة خمسة عشر عاما لم ينالوا منها غير الدمار والخراب والتشريد وانهيار الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، عليهم إذن تنعقد الآمال في عودة العقل بدلاً من ان تنعقد المؤتمرات والقمم التي تزيد الطين بلة.