الاشتباكات في مخيم نهر البارد، اللبناني، تدخل يومها الثالث، سخونتها ترتفع. عدد الضحايا يتزايد. القتلى فوق السبعين. والجرحى فوق المئة. الأسوأ أن كلفتها بين سكان المخيم من الفلسطينيين، المدنيين بدأت تتصاعد. وقع هؤلاء بين نارين. وحتى الآن تعذر التوصل إلى مخرج، يوقف القتال، أو يؤدي إلى تحييد الأبرياء.

ومع هذا الانسداد بدأت تلوح المخاوف من الأدهى: من احتمال نشوب أزمة فلسطينية ـ لبنانية، مفتوحة على شتى السيناريوهات غير المحمودة. الأمر الذي يعيد إلى الذاكرة شريط الاحتقانات التي حكمت علاقة الجانبين قبل الحرب الأهلية؛ والتي كان انفجارها إيذاناً باندلاع تلك الحرب.

صحيح الظروف تختلف. ما هو قائم اليوم غير ما كان في الماضي. لكن الساحة اللبنانية مأزومة إلى أقصى الحدود. التعقيدات والتداخلات فيها، تجعلها شديدة الالتهاب. خطر قاتل على الجهتين اجتنابه بأي ثمن.

المطمئن، حتى الآن على الأقل، أن المسؤولين الفلسطينيين في لبنان، من منظمة التحرير والفصائل، سارعوا من البداية إلى التبرؤ من التنظيم ـ «فتح الإسلام» ـ المشتبك مع الجيش اللبناني، بل هم بادروا إلى الوقوف مع الجانب اللبناني وإدانة الهجوم الذي تعرض له الجيش، وأدى إلى سقوط أكثر من عشرين من عناصره. اشتداد حدة القصف والنيران بدأ يهدد المدنيين، الذين أخذ تعنيف القتال يحصد ضحاياه من بينهم.

الأمر الذي كان من الطبيعي أن يرفع درجة القلق والمطالبة الفلسطينيين بوجوب تأمين سلامة أهل المخيم.

الرد اللبناني على هذا المطلب المشروع، أيضاً مطمئن. فهو يؤكد حرص المسؤولين، في هذا الخصوص. المشكلة أن ما يحصل على الأرض يعيق ترجمة الرغبات. فالمواجهة توحي مجرياتها بأنها ليست عملية خاطفة. الحصار والتخندق فيها، يشيران إلى جولة مديدة. التهديد بالحسم من جهة، وما يقابله من تهديد بتوسيع رقعة النار من جهة ثانية، يحملان على الحذر من مطبات قاسية، قد يقود إليها الصراع الدائر.

وما شهدته بيروت الشرقية ثم الغربية من تفجيرات أمس وقبله؛ يرشح الوضع لمزيد من الصعوبات والأخطار والامتحانات الصعبة؛ التي لا تحتمل الخطأ. ناهيك بالفشل المدخل لتحاشي الانزلاق إلى مثل هذه المطبات والهزات ويتمثل في تسريع المساعي التي تقوم بها القيادات الفلسطينية، لاجتراح آلية تقطع الطريق على أي تأزيم لبناني ـ فلسطيني.

وذلك من خلال تأمين سلامة سكان المخيم وبالتالي نزع فتيل أي توتر بين الطرفين قد يجر إلى ما لا يريده أحد. على أن يحظى مثل هذا التحرك بدعم عربي، كان موضوعه مدار بحث في مجلس الجامعة العربية، الذي عقد أمس جلسة طارئة حول الموضوع.

أزمة «نهر البارد» مرشحة للتفاقم. المناخ موات. الاشتباكات تبدو كالعنوان لتطورات أكبر. الخشية أن تكون الساحة اللبنانية برمتها مستهدفة. كافة الأطراف الفلسطينية واللبنانية معنية بإطفاء نار المواجهة، بل هي مطالبة بأن تتولى دور الإطفائي. البديل يكون الانجرار، تحت ضغط انفلات الأوضاع، إلى حيث لا مصلحة للبنان فيه ولا لفلسطين، المظلومة قضيتها في غزة وفي «نهر البارد»؛ في آن. كلاهما أخذ حصته وأكثر من النزف الذاتي. وعليهما اجتناب الوقوع في الفخ المنصوب لهما في حرب المخيم الدائرة والتي تهدد بالتحول إلى حروب لا نهاية لها.