كانت الإمارات سباقة على الدوام ومبادرة باستمرار في كل ما يرفع شأن الأمة ويعزز وحدتها، ولم تبخل يوما على أمتها في أي مجال، بالمواقف المبدئية الراسخة والإصلاح بين المتخالفين وبالدفع المجاني والاستثمارات الضخمة في ميادين التنمية الشاملة من أجل أشقائها العرب في مختلف أقطارهم.
ويكفي هنا أن نتذكر المقولة الخالدة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عندما قال إن «النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي»، في حين لم تكن الدولة الاتحادية قد أكملت عامها الثاني آنذاك.لذلك لا غرابة أن يتقدم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بمبادرة فريدة في حجمها ومضمونها، كما هو عهده دائما في الريادة والتميز والإبداع.
غير أن الجديد في هذه المبادرة غير المسبوقة، والتي خصص لها سموه وقفاً بمبلغ عشرة مليارات دولار، أنها تأخذ منحى يتجاوز كل طموحات وتطلعات أولئك الذين طالما تمنوا يوما تجد فيه هذه الأمة من ينتشلها من قاع الجهل وهوة التبلد والتخشب التي خيمت عليها، بعد أن كانت زمنا طويلا مالئة الدنيا وشاغلة الناس، ليس بفتوحاتها وقوتها العسكرية والمادية فحسب، وإنما أيضا وأولا، بمعرفتها وبالعارفين من أبنائها الذين كرسوا جهودهم وإمكانياتهم للبحث والاستكشاف العلمي وأناروا للبشرية طريقا جديدا للمعرفة، دون احتكار لما يعرفون أو سعي للهيمنة به على الآخرين.
والجديد في هذه المبادرة كذلك، وكل شيء فيها جديد، أنها مكرسة «للتنمية المعرفية» التي طالما غابت عن أذهان واهتمامات معظم قادتنا وزعمائنا الذين صرفوا همهم وشغلوا الناس معهم وسخروا كل شيء لتأمين بقائهم «مدى الحياة» (وربما أبعد ذلك!) في مواقع السلطة والتسلط، مهما كان الثمن وأياً كانت التبعات!.
لقد وضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يده الكريمة على موقع الألم وشخص داء الأمة، ثم قدم لها العلاج الناجع والبلسم المناسب، بعد أن نهب الغرباء ثرواتها وأراقوا دماءها ليمتص بعض أبنائها ما بقي فيها بعد ذلك من حياة أو حياء.
ومع أن التفاصيل الكاملة للبرامج التي ستنشأ في إطار «مؤسسة محمد بن راشد للتنمية المعرفية» لم تعلن كاملة بعد، إلا انه يمكن تصور بعض الأفكار العامة بهذا الخصوص، مثل إنشاء جامعات إقليمية في مختلف الأقاليم العربية تكون إحداها في دولة الإمارات لاستقطاب الطلبة المتميزين في دول مجلس التعاون واليمن، ومثلها في إحدى دول بلاد الشام لأبناء هذه الدول والعراق، وثالثة في منطقة المغرب العربي لطلاب الدول المغاربية، بينما تكون الرابعة في مصر أو السودان لأبناء هذين البلدين وباقي الدول الإفريقية الأعضاء في جامعة الدول العربية (الصومال وجيبوتي وجزر القمر)، وبحيث تتبع هذه الجامعات لهيئة عليا موحدة منعا لازدواجية الجهود وتكرارها، على أن تكون الهيئة تحت الإشراف الشخصي المباشر لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، مبدع الفكرة ومنشئ المبادرة.
ومن الطبيعي في مشروع معرفي ضخم كهذا أن «يطعّم» أبناء الأمة بإخوة لهم في الإنسانية، خاصة من الدول الأكثر حاجة للتنمية والمعرفة، ليكون ذلك حافزا إضافيا للتنافس الايجابي وتلاقح الأفكار والثقافات، تعميقا للتواصل الإنساني وتأسيسا لقاعدة معرفية أعم وأشمل.
ولا شك أن مبادرة سخية بمثل هذا الحجم وعلى هذا المستوى، نابعة من فكر عميق ورؤية شاملة، لن تقتصر على العلوم التطبيقية وحدها دون العلوم الإنسانية. فالأمة في حاجة ماسة إلى مفكرين حقيقيين ومؤرخين جادين وجغرافيين متمكنين وخبراء متخصصين على أعلى المستويات في علم الآثار وعلمي النفس والاجتماع، لإعادة الوعي إلى عقل الأمة ومعالجة الأمراض النفسية والاجتماعية التي تعصف بها بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، من فتن متنقلة وصراعات عبثية تهدد كيانها ووجودها في الصميم. وهذا ما عبرت عنه المبادرة التي «تستهدف تحفيز وتشجيع الجهود لإيجاد الحلول لتحديات التنمية الاقتصادية والاجتماعية».
وقد أوضح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أن مظلة «مؤسسة الريادة» التي أعلنها سموه «ستغطي كل المبدعين والمبتكرين والمثقفين في أرجاء المنطقة»، وبذلك يكون هؤلاء جميعا أمام مهمة تاريخية تستوجب أن يكونوا على قدر المسؤولية التي شرفهم بها وفي مستوى الطموح الذي وجههم نحوه من أجل «توفير فرص متساوية لأبناء المنطقة في التقدم والحياة الكريمة».
وهنا لا بد أن نذكر بالفخر والاعتزاز ونتذكر بالعرفان والامتنان رائدي التنمية والعطاء الفقيدين العربيين النموذجين الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، تغمدهما الله برحمته ورضوانه، اللذين أسسا مدرسة الأصالة والإبداع التي أنجبت هذا النموذج الشامخ فوق كل الهامات.
إن ارتباط التنمية بالمعرفة ارتباط أزلي، ولا يمكن إنجاز تنمية حقيقية من دون رؤية معرفية شاملة، كما عبرت عنها وكرست لأجلها هذه المكرمة الفارقة والمؤسسة المجسدة لها.