استعار علماء العلوم الاجتماعية مصطلح الطبقة من علم الجيولوجيا ووظفوه بشكل خلاق في الحقل الاجتماعي، وجعلوا منه مصطلحا له جاذبيته السياسية والإيديولوجية. ورغم أن المصطلح ذاته قد يعبر عن عدم تلاقي أو تداخل بين الطبقات بعضها مع البعض الآخر. و لربما كانت الاستعارة الأولى قد قصد منها أن تكون كذلك. ومع هذا فإن المصطلح ذاته قد مر بقدر ليس بقليل من التكيف مع أحوال اجتماعية باتت لصيقة بسمة التغير، بل ان التغير بات يمثل سمة أساسية فيها.

وإذا ما كانت الطبقات بتقسيماتها الثلاثية أو الثنائية المعروفة قد مثلت جزءا أساسيا من دراسة الطبقات في أدبيات العلوم الاجتماعية، فإن دراسة الطبقة الوسطى ولربما تشكلها قد قصد منه حماية المجتمع من أية تقلبات قد تأتي نتيجة لأي فرز طبقي حاد داخل المجتمع.

ومن هنا نظر للطبقة الوسطى من حيث ثقافتها واتساع شمولها للمجتمع كإحدى ركائز الاستقرار الأساسية في المجتمع بل انها قد مثلت بقدراتها وإمكانياتها العقلية والفكرية أحد أهم آليات الحراك الاجتماعي والثقافي والسياسي في هذه المجتمعات. ورغم التباين الذي قد توصف به هذه الطبقة إلا أنها وتحديدا في المجتمعات الصناعية قد استطاعت أن يكون لديها مصالح اقتصادية متماثلة وأن تّكون قيمها ولربما سياقاتها الثقافية المشتركة .

وأن يكون لها دور تاريخي محوري مساهم بدرجة كبيرة في حالة استقرار المجتمعات الغربية وتقدمها الاقتصادي. وهي لهذا السبب تمثل الطبقة الأكثر عددا في هذه المجتمعات إذ تمثل ما حجمه 60% إلى 70% من أجمالي سكان الكثير من الدول الغربية وان عمليات العولمة رغم أنها قد أطاحت ببعض شرائحه إلا أنها بقت تمثل أهم مداخل الاستقرار في هذه المجتمعات.

وإذا ما كانت الطبقات الأخرى بفعل حالة الفرز التي تعيشها قد تجنح لتبني العنف كأداة من أدوات التغيير في المجتمع، فإن الطبقة الوسطى وبفعل حالة الرفاهية التي تعيشها تجنح في الغالب نحو تغليب مدخل التغيير السلمي والتدرجي في المجتمع لقناعتها أن أي أسلوب عنيف في التغير إن هو إلا مطيح بكل إنجازاتها الاقتصادية وحالة الرفاه الاجتماعي الذي تعيشه.

وتتسم الطبقة الوسطى باهتماماتها الثقافية المُشكل لكل سياقها الثقافي، فهي تهتم بالرقص وتحديدا رقص الباليه والغناء والمسرح والفنون بل ان هذه الفنون قد تطورت بفعل هذا الحضور الكثيف لها، وهي تتسم بمعدلات إنفاقها العالية في مجالات السفر والمتعة والقراءة، إذ إنها الطبقة الأعلى من حيث معدلات القراءة واستهلاك الكتب.

لذا يأتي من هذه الطبقة معظم المبدعين والمفكرين، ومنها تأتي كل الأطروحات الجديدة في الثقافة والفكر والسياسة، بل ان كل الإبداعات العلمية الكبرى هي من نتاجاتها. وتشكل منظومة حرياتها المدنية أحد أهم ركائز قوتها ودورها المحوري الذي لا تبدي هذه الطبقة أي تردد في التراجع عنها ولو في أحلك فترات الأزمات الأمنية التي مرت فيها أوروبا في تاريخها المعاصر.

وتعرف الطبقة الوسطى في الكثير من الأدبيات في العلوم الاجتماعية على أنها تمثل مجموعة عريضة من الأشخاص الذين يشتركون في موارد اقتصادية معينه تؤثر في مستواهم المعيشي وتُشكل طريقة حياتهم. ومع ذلك فإن المصطلح مازال يثير الكثير من الخلاف في أوساط دارسي التراتب الاجتماعي.

وهي، أي الطبقة الوسطى، في واقع أمرها رغم اتساعها العددي في المجتمعات الخاضعة لصعود أو نهوض اقتصادي، إلا أنها مع ذلك ذات طبيعة فُسيفسائية، بمعنى أنها وخصوصا في المجتمعات العربية والإسلامية وفي الكثير من مجتمعات العالم الثالث مازلت محكومة بقوة أنساقها القيمية والدينية ولربما هرمية التراتبية التقليدية. هذه الأنساق التي تمثل احد أهم معوقات اندماجها الاجتماعي أو بالأحرى قدرتها كطبقة على تشكيلها ثقافتها الطبقية الخاصة بها التي تتجاوز فيها كل تجاذباتها التقليدية:

الدينية والقبلية والعرقية.أي أن نجاح بعض من مجتمعاتنا في تكوين طبقة وسطى عريضة قائمة على معيار الدخل لا يعني ذلك قدرة هذه الطبقة على تشكيل سياقها الثقافي والسياسي المستقل عن أي تجاذبات ونوازع ذاتية وما قبل حضارية. كما أنها من ناحية أخرى ونتيجة لارتباطها الواسع بالسوق فإنها بهذا تمثل أكثر الطبقات الاجتماعية تأثرا بأي هبوط أو صعود اقتصادي فهي المتضرر الأول لأي هبوط وكساد اقتصادي.

حيث انها كانت المتضرر الأول لحالة الكساد الاقتصادي الذي مرت به أوروبا في النصف الأول من الثمانينينات فتنامت في أوساطها البطالة وانحدر عنها الدخل فتقلصت أعدادها، كما أنها من ناحية أخرى تمثل المستفيد الأول من أي بحبوبة اقتصادية يعيشها المجتمع، بل انها وبفعل انتشارها وتنامي قدرات بعض شرائحها المالية من أكثر الطبقات تمثلا لهذا الصعود الاقتصادي.

ورغم أن البعض يعتقد أنها تمثل طبقة شديدة التماسك ومتقاربة المنافع الاقتصادية، إلا أننا مع ذلك نجد أنها تمثل مجموعة متفاوتات من الشرائح وأن قطبها الأعلى يقع على تماس مع الطبقة العليا في المجتمع في حين يقع قطبها الأدنى على تماس مع الطبقة الأدنى في المجتمع. ويبقى نصفها الوسطي هو الجزء الأكثر عددا والأكثر تأثيرا فيها وفي توجهاتها ومواقفها من الكثير من القضايا والأحداث في الداخل والخارج.

وتتكون هذه الطبقة من المهنيين كالأطباء والمهندسين والمحاسبين وأساتذة الجامعات وكبار وصغار الضباط وصغار ومتوسطي التجار، وبعضها قد يكون منحدرا مما يسمى بالطبقة الوسطى التقليدية إلا أن بعضها الآخر قد جاء إليها بفعل أدائه المهني أو الاقتصادي أو شطارته العقارية.

وتشمل هذه الطبقة أيضا كبارا ولربما بعض صغار موظفي الدولة والقطاع الخاص. ورغم حالة التفاوت في الدخل فيما بينها في الحالة الأوروبية، إلا أن السياق الثقافي الجامع لها وكذا الثقافة السياسية التي تنتسب إليها يجعل منها قوة اجتماعية وسياسية مهمة في خلق إرادة الداخل السياسية نحو الداخل الأوروبي والخارج العالمي.

فهي التي أطاحت بجون لوبان في الانتخابات الأوروبية ما قبل الأخيرة كما أن جزءا مهما منها قد جاء داعما لترشح ساركوزي على روايال رغبة منه في إحداث قدر من التغيير في السياسة الداخلية الفرنسية. فهذه الطبقة ونتيجة لمأزقها الاقتصادي في الحالة الفرنسية قد جاءت داعمة لليمين على اليسار رغم وعوده الأخيرة الاجتماعية البراقة ورغم دعم الضواحي الفقيرة لمرشحة اليسار السيدة روايال.

فالذي يحسم دخول اليسار أو اليمين إلى الحكم في الحالة الأوروبية ليست هي الطبقات الأقل حظا من الناحية الاقتصادية وليست هي كذلك الطبقات الأرستقراطية العليا وإنما هي الطبقة الوسطى صاحبة القول الفصل في أي انتخابات أوروبية والحساسة لوضعها الاقتصادي ورفاهها المستقبلي وهي الحالة التي لم تصل إليها المجتمعات العربية بعد، لأسباب كثيرة سنحاول مناقشتها في مقال قادم عن الطبقة الوسطى في الخليج العربي.

كاتب بحريني