عندما يكتب المؤرخون المستقبليون تاريخ عراق اليوم فإنهم سوف يسجلون أن أعظم جريمة ارتكبتها الولايات المتحدة بحق العراق وشعبه ليست عملية الغزو والاحتلال التدميري وتداعياته المأساوية، إنما هي ابتداع وتطبيق نظام المحاصصة الطائفية كمعادلة للسلطة.. تلك المعادلة الخطيرة التي أفرزت حرباً أهلية لا تعرف لها نهاية.

ولأن إدارة بوش رسمت سيناريو الغزو والاحتلال، وعمدت إلى تسليم السلطة الجديدة إلى طاقم حكم جاهز يتكون من قيادات التنظيمات الشيعية فإن اندلاع فتنة عظمى بين هذه التنظيمات والأحزاب السنية كانت أمراً مقضباً حتمياً، ولكن عندما يصدر انتقاد حازم لهذه المعادلة الشريرة من أحد قيادات الشيعة العراقيين فإن ثمة أملاً ينتعش في قلوب كل العراقيين الأبرياء من التعصب المذهبي بأن نار الفتنة سوف تخمد طال الزمن أم قصر.

من الأصوات القيادية الشيعية الانتقادية التي أخذت ترتفع صوت زعيم «حزب الفضيلة الإسلامية» الشيخ محمد اليعقوبي الذي تنتشر قواعده في الجنوب العراقي.

لقد انسحب هذا الحزب من ائتلاف التنظيمات الشيعية الذي يسيطر على جهاز الحكم العراقي وخرج نوابه من البرلمان كبادرة احتجاج. وفي البيان الذي أصدره الحزب لشرح قرار الانسحاب شن اليعقوبي هجوماً على طاقم الشخصيات العراقية التي جاءت من الخارج على متن دبابات الغزو الأميركي لتتولى بعد ذلك أمر الحكم تحت الرعاية الأميركية.

هؤلاء ينعتهم اليعقوبي بأنهم شركاء في المسؤولية مع المجرمين القتلة الذين يسفكون دماء الأبرياء من العراقيين وفي مسؤولية تدمير العراق وتبديد ثرواته مع الفشل في إدارة الحكم، هذا مما يعيد إلى الأذهان ذلك المؤتمر المشبوه الذي رتبته إدارة بوش في لندن قبل تنفيذ مشروع الغزو وجمعت فيه شخصيات عراقية معارضة لنظام صدام تقيم في الخارج من أجل إعطاء غطاء سياسي «مشروع» للاحتلال الذي يعقب الغزو.

كانت المعادلة في نظر خبراء الإدارة الأميركية بسيطة إلى درجة الإخلال بالنسيج العراقي مادام نظام صدام سني الطابع فلنأت إذن بطاقم حكم شيعي الطابع، وهكذا وضع حجر الأساس لتغيير انتماء النخب العراقية من القومية العربية بفروعها ومدارسها المتنوعة إلى فتنة المذهبية الدينية.

وهكذا رسمت مقدمات الحرب الأهلية الطائفية التي يروح ضحيتها بالجملة عشرات العوائل في المدن والأحياء العراقية على نحو يومي وتفر عشرات أخرى من مساكنها طلباً للأمن، بينما لم يعد هناك أمن على أي شبر من الأراضي العراقية.

وفي هذا الصدد يقول اليعقوبي ان استمرار العنف والعنف المضاد بين العراقيين عامة مرده إلى ذلك الاستئثار والاستبداد الذي يمارسه قادة التنظيمات القادمون من الخارج مما يستفز الأطراف الأخرى ويدفعها دفعاً إلى المواجهة الدموية.

ما هو المخرج إذن:

يقول اليعقوبي ان المخرج يتمثل في مشروع وطن عراقي يتسامى على الانتماءات الطائفية والعرقية.

هل هناك بصيص أمل لأن يبتلور مشروع كهذا ذات يوم في العراق المأساوي، فلنقل ان الغد أفضل من اليوم.