منطلقاً من أن حرية التفكير والقول وإتاحة النقد للأفكار والمؤسسات دون خوف من القمع، هي أحد أركان الممارسة الديمقراطية فاني لم أجد كلمة شعبية مناسبة تصف ما حدث في جلسة مجلس الأمة الكويتي يوم الثلاثاء الماضي إلا كلمة (غميضة) .

وهي تعني (وا أسفاه) تعبيراً عن الحسرة التي يشعر بعضنا بها على تاريخ طويل من العمل السياسي الذي اعتقد جيلان على الأقل من أهل الكويت أنهم قاب قوسين أو أدنى من الدخول في نادي الديمقراطية الحقيقي المؤدي بالطبيعة إلى استقرار سياسي يؤدي بدوره إلى تنمية حقيقية في البلد الذي يعترف العقلاء فيه انه يتأخر يومياً عن الركب، ليس العالمي ولكن أيضاً الإقليمي، رغم كل ما أوتي من موارد مادية وإنسانية، وتجربة نسبياً طويلة في التمثيل الشعبي.

ما هي القصة؟ واضح أن هناك محاولة جادة لتعطيل التنمية عن طريق التصدي غير العقلاني لمشروعات تنموية ليس المراد منها غير (التنكيد) فقد قيل كلام جارح وغير عقلاني في جلسة الثلاثاء الماضي، مما أوصل رئيس المجلس إلى القول انه خائف على مسيرة الديمقراطية، ولديه كل الحق في ذلك القول.

ولم تكن تلك الجلسة وما تم فيها غير مسبوقة، فهناك سلسلة طويلة من التنكيد بين الأعضاء لا علاقة للتنمية بها من قريب أو بعيد، تدنى فيها الخطاب إلى درجة غير مسبوقة، وفشلت النخبة أن كانت تتصف بهذا الوصف، في انتشال الخطاب السياسي من منحدر سريع سيؤدي إلى (سيرك) يأتي الناس إليه مستقبلاً طلباً للفرجة!

قيل قبل فترة أن سبب تدهور العمل السياسي هو الدوائر الصغيرة التي تأتي بنواب ليسوا على قامة العمل السياسي المسؤول، وتبع الشباب تلك المقولة بشيء من الحماس مصدقين أن هناك جدية في إصلاح الدوائر وبالتالي إصلاح العمل السياسي في الكويت، حتى وصلنا إلى (الخمس) وفجأة نسي الجميع الدوائر الخمس (المصلحة) جملة وتفصيلاً دون ذكر لها، وبدأت المناكفة من جديد على قاعدة الخمس والعشرين السابقة سيئة الذكر.

طبعاً ليس هناك الكثير من أعضاء المجلس الذين يقفون في الطابور مثل خلق الله الآخرين في المستوصفات حتى يأتيهم الدور ـ إن أتى ـ لعلاج بعد طول عناء. ولا يقف كثيرون منهم في طابور آخر لاستخراج مستند من أي من الدوائر الحكومية، ولا هناك أحد منهم يضطر لإنهاء معاملة في دائرة حكومية كي يعرف ما يعانيه خلق الله من تعطيل يصل في كثير منه إلى حد الإهانة. كما أن بعضهم لا يعنيه تدهور التعليم في البلد.

وقد خرجت كثير من مؤسساته التعليمية أفراداً شبه أميين بشهادة المؤسسات العالمية، فالتعليم وإصلاحه هو في آخر ما يكون من الأوليات، لأن الكثير من الأبناء يهيئ لهم التعليم في خارج البلاد وفي مؤسسات تعليمية أفضل، ماذا بقي غير المهاترات والاتهامات والاتهامات المضادة.

تضيق شوارع الكويت بازدحام مروري خانق، وتنتشر أنواع من الجريمة من الفظاعة تبدو للعقلاء غير مصدقة، وتتدهور البيئة حتى تنتشر أمراض غير معروفة سابقاً في البلاد، وتنقلب الأجندة على رأسها كي تتحول جلسة من أهم جلسات المجلس إلى محاباة الأقرباء واتهامات متبادلة.

ليس جديداً ولا غريباً على المؤسسات الرقابية والتنفيذية وقياداتها أن تقدم، حقيقة وليس قولاً، على إشهار ما يعرف على نطاق عالمي بـ (الذمة المالية). وزير الخارجية البريطانية الأسبق جاك سترو قرر في ذمته المالية منذ فترة انه ( تلقى ترقية من شركة الطيران البريطانية لتذكرة سفر كان قد أصدرها من درجة رجال الأعمال إلى الدرجة الأولى) .

وقامت ضجة في الصحف البريطانية على هذا الامتياز الذي صرح به الوزير، وربما يكون ذلك قد أدى بعد حين إلى إعفائه من منصبه الرفيع؟ بول وولفويتز المسؤول الرفيع في البنك الدولي فقد منصبه بسبب مكرمة مالية لموظفة تعمل لديه تربطه علاقة بها على المستوى الشخصي. تلك الأمثلة هي مثالية وبعيدة عن التطبيق في بيئتنا العربية كافة، ولكن المبدأ واحد على الدوام، وهو عدم خلط الشخصي بالعام، خاصة في أعمال يقوم بها التنفيذيون أو المشرعون.

أمير البلاد الراحل رحمه الله الشيخ جابر الأحمد الصباح قال مرة في افتتاح البرلمان ان أكثر أشكال الفساد فساداً هو فساد المشرعين، وهي طامة كبرى لأنها لا تكشف فقط عن نفوس ضعيفة بل وأيضاً تؤدي إلى أن يكفر الناس بالمؤسسة نفسها. وما حدث من خلفيات في مجلس الثلاثاء الماضي من اتهامات تحتاج إلى (لجنة قضائية مستقلة) لا لجنة من الزملاء للتحقيق في كل ما دار.

وما زلنا نتوقع أن يمرر قانون ويتابع في التنفيذ بكل صرامة وهو قانون الذمة المالية للقيادات في الأجهزة التنفيذية والتشريعية على السواء، ويصاحبه جهاز (له أسنان) يتابع التطبيق ويعرض النتائج على الجمهور بشكل شفاف وعادل، لعل ذاك يكون دافعاً لمشرعينا لمتابعة ما ينفع الناس لا متابعة ما ينفع بعضهم على المستوى الشخصي.

لم يكن غريباً تبادل الاتهامات فهي للمطلعين خارج الحلقات الصغيرة معروفة ويتحدث حولها الناس، ولم تضيء (المعركة) الكلامية التي احتدمت يوم الثلاثاء الماضي، أي من الموضوعات التي تلوكها الألسنة عن استفادة البعض شخصياً كونهم ممثلين للأمة في السدة التشريعية، مهملين مطالب الناس وحاجاتهم الحياتية.

الحياة السياسية الكويتية في خطر داهم إن لم يبدأ العقلاء في تدارك الخطر ومعرفة تأثير الكلام الحاد والاتهامات المتبادلة على النسيج الاجتماعي الذي قد يكفر بالتجربة نفسها مما يعرض مصالح الشعب، الذي يدعي البعض بأنه يتحدث باسمه للمخاطر. وهي مخاطر أكبر بكثير من ما يتصوره بعضهم أو حتى يفكر فيه.

لقد تعبنا هذا ما يقابلك به البعض في الديوانيات واللقاءات المختلفة لأن هذا الجمهور بالفعل يسمع طحناً دون أن يرى طحيناً، ويسمعوا خضاً دون (زبده) والكل بطل في الدفاع عن (المال العام) والمال العام أو قل المصلحة العامة مهدرة.

الجميع متفق، بما فيها التصريحات الحكومية الحرص على تفعيل (القطاع الخاص) وهو قول مكرر يتبعه الشكوى من ضعف لهذا القطاع وأيضاً الحديث عن جعل الكويت مركزاً اقتصادياً مزدهراً، كيف يمكن أن يتم ذلك في ظل هذا التنافس السياسي السلبي الذي أوصل المبادرة الفردية والعمل في النشاط الاقتصادي إلى مرحلة العجز، لأن كل مشروع يقدم يهاجم بضراوة، وهو تعطيل اقتصادي يؤدي في النهاية إلى الاعتماد على الدولة ومن ثم ضمور النمو الديمقراطي نفسه كما يقلل من سرعة تحديث المجتمع.

القراءة المختزلة لمجلس الثلاثاء الماضي أن المصالح العامة تعطلت وما دعي المجلس لمناقشته ضاع هباءً وتركت المناقشة ذيلاً طويلاً من الألم في قلب الكثير من المراقبين لأنهم قالوا في سرهم وعلنهم (غميضة.. يا كويت).

كاتب كويتي