الأحداث الدموية التي اندلعت في شمال لبنان، بين الجيش و«فتح الإسلام»، لم تكن خارج التوقعات. ظروف البلد المعروفة، كانت تشي باقتراب عواصف راعدة، فوق ساحته لكن ليس بهذا الحجم والاتساع والقوة، الأمر الذي يشي بأن عملية المواجهة لم تكن صدفة، أو وليدة سوء تفاهم، ولا هي ناجمة عن مطاردة الفاعلين في سرقة مصرف قرب طرابلس. سقوط أكثر من أربعين قتيلاً، أكثر من نصفهم من عناصر الجيش اللبناني، في أقل من 24 ساعة؛ من المستبعد أن يكون حصيلة عملية سطو.

ثم إن شمول العمليات العسكرية أحياء عدة في مدينة طرابلس وامتداد القتال بعد ذلك إلى مخيم نهر البارد، شمال المدينة، وأيضاً إلى مخيم البدّاوي المجاور؛ يشير إلى وجود استعدادات وحشد لخوض مثل هذا الصدام الواسع والجارح. ناهيك عن نوعية الأسلحة الثقيلة المستخدمة في القتال مع الجيش، والقتال لم يتوقف بعد.

المراقبون سارعوا إلى الربط بين التفجير الكبير هذا وبين استحقاقات حاسمة؛ يقترب لبنان منها، بالتحديد المحكمة ذات الطابع الدولي التي بات مشروعها أمام مجلس الأمن الدولي؛ للنظر فيه. ثم انتخابات رئاسة الجمهورية، التي انفتح بازارها من اليوم والمفتوحة على شتى الاحتمالات.

لكن كائناً ما كان السبب، فان هناك وقائع تحمل على القلق والتخوف المشروعين؛ من زاوية الأبعاد والمدلولات. فأن يقع هذا العدد من الضحايا ـ الذي لم يعرفه لبنان منذ الحرب الأهلية ـ وبهذه السرعة والدموية والقسوة؛ أمر ينطوي على مخاطر جمّة، بل على مؤشر بأن المشكلة تنذر بالأسوأ كذلك توجيه مثل هذه الضربة القاسية بالجيش، تبدو متعمدة لإقحام هذا الأخير .

وبالتالي توسيع رقعة ومدة المواجهة، خاصة وأن بعض عناصره التي قضت، حصل تصفيتها في مضاجعها، حسب ما ذكرت التقارير الإعلامية، وكان من الملفت وذي الدلالة البالغة أن ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية وباقي الفصائل الفلسطينية وخاصة فتح؛ سارعت إلى التنصل من «فتح الإسلام» وإدانة عمليته ضد الجيش؛ مع الإعراب عن الدعم والتأييد لهذا الأخير. الأمر الذي زاد من طرح علامات الاستفهام حول خلفية وأبعاد ما جرى.

الذي لا جدال فيه، سواء بعلامات استفهام أم لا، هو أن الساحة اللبنانية في وضعها الراهن، لا تحتمل ولا يجوز تحميلها عبء ومخاطر مثل هذا القتال. ثم إن هذا الأخير هو آخر ما تحتمله أيضاً القضية الفلسطينية التي يزعم «فتح الإسلام» أنه يعمل لأجلها، وفي هذه اللحظة بالذات يكفي جرح غزة النازف وما تسبب به من أوجاع داخلية وأيضاً من خسائر عربية وإقليمية ودولية، فمثل هذه الجولات العبثية ليس هناك سوى مستفيد واحد من محصلاتها: إسرائيل.

المفجع أن هذه الحقيقة ساطعة كالشمس في عز النهار. يعرفها الفلسطيني واللبناني؛ كما القاصي والداني. مع ذلك تتواصل الهزات المتجولة في الجوار الإسرائيلي، وكأن هناك إصراراً على مواصلة تقديم الهدايا المجانية من هذا الصنف المكلف للدولة العبرية.

الساحة اللبنانية طافحة بالهموم وأزمتها المستفحلة تجتاز الآن مرحلة دقيقة طافحة بالمخاطر، وهي تعيش حالة احتقان جعلتها سريعة العطب والشيء المعروف من تجاربها أن نيرانها عندما تشتعل لا يسلم أحد من اللاعبين من ألسنتها وحريقها، لذا من مصلحة الجميع إطفاؤها الآن قبل أن تستعصي على الجميع.