ثمة مفارقة خاصة في تجربة اللاجئ الفلسطيني، تجعله يختلف عن كل اللاجئين في بلاد الله الواسعة، وهذه المفارقة لا تتأتى فقط من طبيعة المشروع الصهيوني، باعتباره مشروعاً استيطانياً وإحلالياً، ينكر وجود الفلسطينيين كشعب ويسعى إلى حرمانهم من حقوقهم السياسية، وإنما تتأتى، أيضاً، من كون الفلسطيني اللاجئ ينتمي إلى أمة عربية مفترضة، وهي مسألة حقيقية من الناحية النظرية، ولكنها لم تجد تمثيلاتها في الناحية العملية ـ الواقعية، ما يطرح السؤال الإشكالي التالي: كيف يكون الفلسطيني العربي لاجئاً في أمته ذاتها!
ومجرد بقاء مصطلح اللاجئ، واستمرار واقع اللجوء، كرس حالة استلاب غير إنسانية للفلسطينيين اللاجئين، رغم الغلافات السياسية النضالية (الوطنية والقومية) التي حاولت أن تتلبّسها. فما علاقة طمس هوية الفلسطينيين، أو وقفها على هوية لاجئ، بوطنيتهم؟ وما علاقة بؤس المخيمات المقيم منذ ستة عقود بالحفاظ على القضية الفلسطينية؟
ثم ألا يمكن اعتبار المخيمات المزرية، التي تعتبر دليلاً على مدى الجريمة الصهيونية التي ارتكبت بحق الفلسطينيين، ودليلاً، أيضاً، على مدى (كرم) ونوع الضيافة العربية (للاجئ) العربي الفلسطيني، مع معرفتنا أن ثمة تفاوتات في تعامل النظام العربي مع هذا الملف؟!الملاحظ أن معظم الروايات المكتوبة أو الشفوية، التي حاولت سرد وقائع ومسارات نكبة الفلسطينيين، ثمة رواية مسكوت عنها، ولا يتم البوح بها، ضمنها رواية اللجوء، بسبب المحظورات والقيودات والتبعات التي يمكن أن تنشأ عنها.
وبسبب الجراح التي يمكن أن تنكأها، في هذا الواقع العربي الجامد والمريض، لاسيما أن تراجيديا النكبة واللجوء تعيد إنتاج نفسها سنة بعد سنة ويوماً بعد يوم، تحت عسف الاحتلال، وفي حياة اللاجئين البائسة، في المخيمات وفي المعاملات
الملاحظ أيضاً أن الخطابات التي أخذت على عاتقها الدفاع عن قضية اللاجئين، وعن حقوقهم، ظلت تفتقر للرؤية الشاملة لهذه القضية، إن بسبب عدم نضجها، أو بسبب حرص أصحابها على تجنب الغوص في إشكاليات هذه القضية، بمحرماتها وحساسياتها لاسيما بسبب مداخلاتها العربية.
والواضح أن معظم هذه الخطابات أعادت إنتاج البديهيات من المقولات والشعارات، أكثر من اشتغالها على تحليل وتفكيك أسباب وأبعاد وتعقيدات هذه القضية وتبيّن مداخلاتها، وتعيين ارتباطها بالتطورات السياسية والاجتماعية في المنطقة. وإذا تجاوزنا كيفية تعامل هذه الخطابات مع التعقيدات، المتعلقة بقضية حق العودة للاجئين، فإن هذه الخطابات تبدو جد مقصرة في التعامل مع قضية اللاجئين ومع واقعهم.
وفي واقع الحال فإن النظام العربي ذاته، بضعفه وتشتته وتخلفه، فاقم من مشكلة اللاجئين، من زوايا أخرى، يمكن أن تمثل أهمها بالجوانب التالية: أولاً، بسياساته الفوضوية والمزاجية (وربما بتشجيعه في بعض الحالات) التي أدت إلى تهجير يهود البلدان العربية إلى إسرائيل، بعد قيامها.
وثانياً، بطمسه الهوية الوطنية والكيانية الفلسطينية التي تمثلت، آنذاك، بحكومة عموم فلسطين، ثالثاً، بشكل تعامله مع اللاجئين بصفتهم قضية أمنية حيناً أو بتوظيفهم سياسياً في خدمة سياسات قطرية حيناً آخر، رابعاً، بتضييقه فرص كفاح اللاجئين من أجل حقوقهم المغتصبة في وطنهم، بالطرق القانونية التي يتيحها القانون الدولي للاجئين أو بالطرق التي تتيحها معاهدات حقوق الإنسان للأفراد، خامساً، بحؤوله دون إمكان قيام الفلسطينيين بتنظيم أنفسهم في جمعيات مدنية أو اتحادات شعبية، تعبر عن هويتهم وعن وحدتهم وعن مطالبهم، في الأماكن التي يقطنون فيها. معنى ذلك أن الخطاب المتعلق بقضية اللاجئين الفلسطينيين، وإضافة إلى ارتكازه على حق العودة كمشروع نضالي مستقبلي، ينبغي أن يركز على التالي:
أولاً، النظر إلى قضية اللاجئين باعتبارها قضية إنسانية، فضلاً عن كونها قضية سياسية، ما يفترض العمل من أجل حق المساواة للاجئ الفلسطيني مع غيره من الناس المحيطين به، لا التمييز ضده أو الحط من كرامته، تحت أي حجج كانت. ولا شك في أن هذا الأمر يفترض من نشطاء الدفاع عن حقوق اللاجئين وحق العودة أن يضعوا على رأس أجندتهم أيضاً العمل من أجل تحسين شروط حياة اللاجئين.
ثانياً، أبداء الحذر في التعامل مع خطاب رفض التوطين، وعدم الاحتفاء به، لأنه ينبع، في الغالب، من بيئة استبعادية للفلسطينيين (أي بيئة التوظيف الأمني والسياسي)، وهذا الخطاب رديف خطاب التهجير، وهي خطابات تسعى إما إلى توظيف اللاجئين في مآرب مصلحية وسياسية ضيقة، أو تسعى إلى التخلص من قضية الفلسطينيين بالتخلص من وجودهم.
ومعنى ذلك أن خطاب رفض التوطين لا يصبّ بالضرورة في طاحونة حق العودة، وربما أن التهويل به يصب في طاحونة التهجير، وتصفية قضية اللاجئين، كما أنه يخلق لدى اللاجئ قلقاً إزاء مصيره كإنسان، وإزاء هويته ومستقبله، ولا شك في أن الخطاب البديل معني بتركيز الدفاع عن حقوق اللاجئين، بجوانبها الإنسانية والسياسية، لا الهروب من المهمات المتعينة (الإنسانية) إلى المهمات السياسية.
ثالثاً، ينبغي على خطاب العودة إيجاد المعادلة السياسية التي تضمن عدم التضحية بمصالح الحاضر بدعوى المستقبل المفترض أو المتخيل، ولا تجاهل مصالح جزء من الشعب لحساب جزء آخر. ومن ذلك فإن خطابات اللاجئين وحق العودة معنية بتجنب الوقوع في مخاطر النظرية التي ترى في قيام دولة فلسطينية أولاً تفريطاً بحق العودة للاجئين. وربما انه يمكن حل هذه المعضلة بالتمسك بالقرار 194، بكل حيثياته.
ومن خلال طرح التصورات السياسية التي يمكن أن تستوعب قضية حق العودة، كمثل طرح فكرة قيام دولة (ثنائية القومية) أو فكرة المساواة في دولة مواطنين، أو في دولة ديمقراطية علمانية في فلسطين/ إسرائيل. وفي شكل عام فإن خطاب اللاجئين والعودة يجب أن يرى في قيام دولة فلسطينية ثمرة لنضال الفلسطينيين وإسهاما في تحديد حدود المشروع الصهيوني، وكسراً لمرتكزاته المتعلقة بمفهوم (أرض الميعاد) ونفي وجود الشعب الفلسطيني (فكرة أرض بلا شعب).
كما يمكن اعتبار ذلك جزءاً من سياق عملية (التحرير)، في مضامينها الديمقراطية التي تفترض خلق المعادلات والمسارات السياسية، لحل المسألتين الفلسطينية والإسرائيلية، بتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته مروراً، ربما، بإقامة دولة ثنائية القومية، أو دولة ديمقراطية علمانية، تتجاوب مع التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحاصلة لدى الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، كما في المنطقة العربية.
إن إنتاج المعادلات السياسية الجديدة يفيد في جسر الفجوة بين المفهوم السائد لعملية (التحرير) وتعقيدات القضية الفلسطينية، عبر توسيع هذا المفهوم وتحويله وتطويره، بما يتناسب والمعطيات الجديدة، بإدخال مضامين جديدة لفكرة (التحرير) قوامها تحرير العرب واليهود في آن معاً من الصهيونية، وابتكار حل حضاري وإنساني لكل مظاهر الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
رابعاً، وأخيراً من المهم بالنسبة لخطاب العودة ملاحظة إن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، إضافة لما تقدم، نابعة أيضاً من واقع أن المجتمعات العربية لم تصل حد الاندماج الوطني، رغم مرور نصف قرن، على الأقل، على قيام الدولة الوطنية (القطرية) العربية. بل إن هذه الدولة بسبب إخفاقاتها السياسية والاجتماعية الاقتصادية أدت إلى النكوص للخلف، أي أنها بدل أن تصوغ الانصهار الوطني عملت على إنعاش أو على التحريض على النزعات القبلية: الإثنية والطائفية والمذهبية والعشائرية، ما صعب من واقع اللاجئين وعقد من مشكلة التعامل معهم على المستوى الإنساني، غير المتحيز للاعتبارات السياسية الضيقة.
المفارقة المأسوية هنا تكمن أيضاً في إمكان بقاء الفلسطينيين لاجئين في وطنهم العربي وفي أمتهم العربية، عقوداً أخرى من الزمن، فيما إسرائيل تطبّع وجودها في العالم العربي! رغم كل الخطابات القومية، الجميلة والنبيلة، وأحياناً بفضلها! والمشكلة فوق ذلك أن يحصل هذا الوضع فيما الفلسطينيون لم يحققوا دولتهم ولا استطاعوا تنفيذ حق العودة.
كاتب فلسطيني