ما لم تحدث معجزة فإن كل الدلائل تشير إلى أن الديمقراطيين هم الذين سيقطنون في البيت الأبيض الأميركي اثر الانتخابات الرئاسية القادمة، وذلك مثلما سبق لهم أن أمنوا إقامة شبه مريحة في الكابيتول بعد انتخابات الكونغرس الأخيرة، والتي كانت نتائجها بمثابة الإطلاقة ما قبل الأخيرة على إدارة الرئيس بوش المترنحة على صعيدي السياستين الخارجية والداخلية.

لعل السياسة الداخلية كانت غالبا ما تنال اهتماما أقل من جانب الجمهوريين رغم وعود خطابهم الانتخابي، فهؤلاء كان همهم الأكبر في أغلب الأحيان هو السياسة الخارجية وصراع أميركا وموقعها في الاستراتيجية الدولية فجاذبية السياسة الخارجية وإغراءات العظمة تبدو السمة الأكثر وضوحا في توجه الجمهوريين، بالرغم من أن كل الحروب المؤثرة في تاريخ الولايات المتحدة والعالم بدأتها الإدارات الديمقراطيين، منذ الحرب العالمية الأولى مرورا بالحربين العالمية الثانية والكورية وانتهاء بالحرب الفيتنامية، ولكن ذلك لا يعنى أن الديمقراطيين أكثر ميلا إلى الحرب من الجمهوريين أو أن هؤلاء الأخيرين أكثر مسالمة، بل إن الأمر يرتبط بسببين:

1ـ الطبيعة الديمقراطية للنظام السياسي الأميركي، فآلية تداول السلطة لا تعطي الفرصة لأي طرف أن يفشل سياسيا في نظر الأغلبية ويظل مع ذلك في موقع القرار يمارس سياسات داخلية عرجاء أو يقود حروبا فاشلة ولهذا كان من النادر أن يبدأ أي من الحزبين حربا عمرها سنوات وينتهي منها وهو في السلطة، ولعل أحد هذه الاستثناءات هي الحرب التي قادها الرئيس الجمهوري جورج بوش الأب وانتهت وهو لا يزال ينام في البيت الأبيض، غير أن تلك الحرب لم تكن سوى جولة عسكرية قصيرة في بلاد العرب المهزومين دوما في حروبهم النظامية والذين كانوا هذه المرة هم أنفسهم رأس حربتها الشرعية واللوجستية.

وبالرغم من خطورة ما ترتب على تلك الحرب من نتائج بالغة الخطورة في المنطقة وعلى صعيد العالم، إلا أنها تعتبر حتى ذلك الحين من أقصر أهم الحروب الأميركية، ومع ذلك فأن الجمهوريين لم يستمتعوا طويلا بالبقاء في السلطة بعد نهايتها فقد انكشفت عورتهم الاقتصادية التي استغلها بيل كلينتون الشاب المغمور القادم من إحدى الولايات الأميركية الصغيرة هذا إلى جانب أن اللوبي الصهيوني المسيطر في الولايات المتحدة رأى أن استمرار الرئيس بوش في البيت الأبيض لم يعد مفيدا، بل صار عبئا على إسرائيل .

ولم يعد لديه ما يقدم لها كخدمة جليلة أكثر مما قدمه في حرب الخليج الثانية، فقد بدأ يتجرأ على التلويح بتجميد المساعدات والإتاوات التي تلتزم الولايات المتحدة بدفعها سنويا لإسرائيل ما لم يقبل رئيس وزرائها إسحاق شامير المشاركة في مؤتمر مدريد الذي كان حقيقة ـ كما كان يراه الرئيس بوش ـ في مصلحة إسرائيل وليس في مصلحة العرب.

ورغم أن التلويح لم يكن جديا وما كان له أن يستمر طويلا إلا أن هناك أمور بالنسبة لإسرائيل جدها جد وهزلها جد، ولعل ذلك ما فهمه الرئيس جورج بوش الابن وحاول أن يستفيد منه في تعامله مع كل ما يتعلق بالقضايا التي تمس مصالح إسرائيل، ومع ذلك فليس هناك ما يدل حتى الآن على أن هذا الرئيس سيخرج منتصرا من الحرب التي بدأها في العراق وهو لا يزال مقيما في البيت الأبيض.

2 ـ طبيعة الظروف الدولية وارتباطها بما يراه هذا الحزب أو ذاك بمصالح الولايات المتحدة حسب المفهوم الأميركي، فقد كانت كل الحروب التي بدأها الحزب الديمقراطي الأميركي خاضعة لهذا المفهوم وتنطلق من هذه الاعتبارات، فلو أن الجمهوريين هم الذين كانوا في موقع القرار لما ترددوا عن شن هذه الحروب المنسوبة للديمقراطيين، ولعل أبلغ دليل على ذلك هو أن معظم قرارات هذه الحروب قد نالت موافقة أغلبية الجمهوريين الذين كانوا أقلية في الكونغرس آنذاك.

إن كل القيادات الديمقراطية التي تقود الحملة ضد الحرب في العراق، صوتوا يومها جميعهم دون تردد لصالح قرار الحرب، تلك الحرب التي كانت منذ البداية تعد خروجا عن الشرعية الدولية واحتقارا للمجتمع الدولي، لأنهم رأوا مثلما كان الرئيس بوش والجمهوريين يرون، بأن مصلحة الولايات المتحدة في المنطقة حسب مفهومهم تقتضي شن هذه الحرب بصرف النظر عن موقف بقية العالم منها، ولهذا فإن الرئيس بوش الابن ما انفك يرد عليهم كلما صعدوا من حملتهم ضد حرب العراق، بأنهم في الحقيقة كانوا شركاء في هذا القرار.

ولعل إعادة انتخاب الرئيس بوش لولاية ثانية لم تكن فقط بسبب أن الحرب لم تكن عوراتها حينئذ قد انكشفت بعد، بل أيضاً لأن الديمقراطيين لم يكن لديهم الكثير مما يحاجون به الرئيس حول الحرب، بل ذهب الرئيس المنتهية ولايته في إحراج خصمه الجمهوري السناتور كيري إلى حد انه شكره عن موقفه الذي كان حاسما وواضحا في تأييده لقرار الحرب .

ولم يجد هذا الأخير ما يمكن أن يدفع به عن نفسه وعن حزبه هذه التهمة الصريحة بالتنصل من المشاركة في صنع قرار الحرب التي بدأت شعبيتها تتراجع في نظر الناخبين الأميركيين بسبب ارتفاع عدد الضحايا وليس بسبب قناعتهم بأنها حرب ظالمة تشنها بلادهم على شعب لم يبدر منه تجاههم أي أذى.

لم يسبق ان حصل خلاف كبير بين الحزبين في بداية أي حرب شنتها الولايات المتحدة في الماضي وإنما ذلك كان يحصل فقط عندما تتغير المعطيات على الأرض وهذا عين حقيقة ما يجرى الآن بين الحزبين حول حرب العراق، فالخلاف ليس حول الأجندة التي من أجلها شنت الولايات المتحدة الحرب على العراق، بل حول أنجح وأضمن الوسائل لتحقيقها والتي لم تعد الحرب واحدة منها.

كاتب ليبي