فلنواجه الحقيقة رغم قبحها:
مشروع حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية انتهى إلى فشل دراماتيكي، ولا حاجة إلى البحث عن دليل فالعنصران الأساسيان المكونان للكيان الحكومي ـ فتح وحماس ـ أصبحا في حالة اقتتال مكشوف.
لقد قبلت القيادة السياسية لحركة حماس مشروع حكومة الوحدة كوسيلة توافقية للتغلب على أزمة حادة نشأت عن الرفض العملي لقيادة فتح الاعتراف بحكومة حماسية شكلت على أساس نتائج انتخابات نيابية حرة ونزيهة اكتسحها الفصيل الإسلامي.
وفي حقيقة الأمر فإن الحكومة الائتلافية الوطنية خرجت منذ الوهلة الأولى إلى حيز الوجود وهي مصابة بشلل. واندلع الاقتتال كانعكاس لتراكمات الأزمة السياسية المتصاعدة داخل التشكيل الحكومي.
والسؤال الذي يطرح الآن هو: كيف تنظر قيادة حماس للمستقبل بعد أن نستخلص ما ينبغي استخلاصه من تجربة الفشل؟
حكومة الوحدة الوطنية لم تنجح في تحقيق أي إنجاز إيجابي بينما كان المنتظر منها كحد أدنى أن توفق في رفع الحصار الاقتصادي الشامل الذي فرضته على الشعب الفلسطيني الولايات المتحدة وإسرائيل ومن ورائهما القوى الغربية الأخرى، لكن المعضلة هي أن الإعلام الغربي ومن ورائه حملات دبلوماسية محمومة عمد إلى تصوير هذا الفشل وكأن حماس ـ لا أميركا وإسرائيل والغرب ـ هي التي ينبغي أن تتحمل مسؤوليته بالكامل بسبب رفضها الاعتراف بإسرائيل.
إذن ما الذي يدعو حماس إلى البقاء في تشكيلة سلطوية فاشلة وتتحمل أوزارها دون مبرر؟
أليس إذن من الحكمة أن تغادر حماس الحكم لكي يستبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟
لقد أنشئت حكومة الوحدة الوطنية بموجب اتفاق مكة بين قيادتي حماس وفتح، وربما ارتضت قيادة حماس المشاركة في هذا الائتلاف الحكومي الوحدوي حتى لا تدع لأحد فرصة لاتهامها بأنها ضد الإجماع الوطني. لكن الآن بعد اندلاع القتال المكشوف بين حماس وفتح أصبح هذا الاحتمال غير وارد.
وبينما كانت الصفة المميزة لحكومة الوحدة الوطنية منذ إنشائها هو انعدام الانسجام والوئام بين أعضائها (كما ترمز لذلك استقالة وزير الداخلية هاني القواسمة) فإنه بعد اندلاع الاقتتال وسفك الدماء برزت هذه الحقيقة إلى العلن أكثر من أي وقت مضى. فحتى إذا لم تغادر حماس السلطة فإن من الصعب تصور استمرار علاقة طبيعية بين وزراء فتح ووزراء حماس في إطار فريق حكم موحد بعد أن استحكمت بين الفصيلين لغة الرصاص.
مما يستخلص أيضاً من التجربة الاقتتالية أن انتصار حماس الانتخابي الديمقراطي لم يهدر على الصعيد السلطوي فقط وإنما أيضاً على الصعيد البرلماني. فقد انتقل الشلل الحكومي إلى شلل المجلس التشريعي المنتخب الذي تتمتع فيه حماس بالأغلبية.
والاستخلاص الأخير يتعلق بمنظمة التحرير الفلسطينية وأجهزتها، وبينما يؤكد قادة المنظمة الذين هم في الوقت نفسه قادة فتح على أن المنظمة هي الممثل الشرعي الأوحد للشعب الفلسطيني فإن جمهور الناخبين الفلسطينيين قال بغير ذلك.وعليه فإن أولوية حماس تصبح الآن أكثر من أي وقت مضى هي المطالبة والإصرار على المطالبة على إعادة تشكيل المنظمة على أساس الأوزان الانتخابية.