«يسقط إيدن ..» - شعار مظاهرة خرجت فيها طفلاً. بعد المظاهرة لم أعرف طريق العودة إلى البيت كما لم أكن أعرف من هو أنتوني إيدن وما المناسبة. كان شعبنا في النصف الثاني من الخمسينات يكافح ضد البريطانيين كفاحاً مزدوجاً: ضد الاستعمار البريطاني على أرضنا وتضامناً مع شعب مصر الشقيق في مواجهة العدوان على السويس.
ولما قام سلوين لويد وزير خارجية الحكومة البريطانية التي كان يرأسها إيدن آنذاك بزيارة البحرين، رشقه المتظاهرون بالبيض الفاسد. لقد تدنت سمعة الحكومة البريطانية أمام شعبها وشعوب العالم بعد حرب العدوان على السويس. وعلى إثر ذلك لملم إيدن ما تبقى من كرامة واستقال من منصبه.
الآن يعيد التاريخ نفسه مع أنتوني آخر وعلى شكل مأساة أخرى أكثر عمقاً، مع رئيس وزراء بريطانيا الحالي توني بلير. فبعد هجمتي 11 سبتمبر 2001 الإرهابيتين قرر بلير أن تشترك بريطانيا بنشاط مع أميركا في حربها على الإرهاب العالمي.
وقد برر هذا الموقف آنذاك بأن بريطانيا التي تختزن كل تقاليد ديمقراطية القارة الأوروبية القديمة وحضارتها الإنسانية ستستطيع أن تسبغ من ذلك على تلميذتها القارة الجديدة (أميركا) فتعقلن سياستها الخارجية وتحد من غلواء عدوانيتها العسكرية وتوجيهها وجهة إنسانية. أما اليوم فالجميع يدرك أن بريطانيا لم تعد دليلاً، بل ذليلاً ذيلياً لتوجهات أميركا العالمية.
وقد كبدت سياسة بلير الشعب البريطاني، حسب المعلن، خسائر بشرية بلغت قرابة مئتي شخص ونفقات باهظة رفعت الميزانية العسكرية إلى 66 مليار دولار في السنة بزيادة فعلية قدرها 8% عما كانت عليه قبل عشر سنوات. وأصبح يوجد الآن في الشرق الأوسط ما يزيد على 13 ألف جندي أو ما يشكل 12% من قوام الجيش البريطاني. وزاد الطين بلة معارضة بلير لوقف فوري لإطلاق النار في الحرب الإسرائيلية على لبنان في الصيف الماضي.
وإذا كانت تبعية بلير لأميركا أهم الأسباب التي حدت برفاقه والشعب البريطاني إلى مطالبته بالاستقالة عن منصبه منذ فترة، فإن هناك أسباباً داخلية أخرى مهمة أيضاً. وفي مقدمتها السقوط المدوي لأيديولوجية الليبرالية الجديدة التي جاء بها بلير مستنداً إلى ممثلي الطبقة الوسطى أساساً. وقد تمثل كل مجده في بداية التسعينات أنه جمع بين أفكار المحافظة الجديدة والليبرالية، فخرج بـ «الليبرالية الجديدة». يساريو الحزب والشباب عموماً علقوا آمالاً كبيرة بأنه سيوفر أماكن عمل وسكن أكثر وستتحسن الخدمات الصحية وسيتوفر التعليم المجاني.
أما الآن فإن أكثر من يكرهه هم الطلبة الذين أجبرهم على أن يدفعوا مقابل تعليمهم. وقد أصبح الطلاب الإنجليز خريجو الكليات والمعاهد يدخلون سوق العمل وهم مدينون للدولة منذ البداية كل بعشرين أو خمسة وعشرين ألف جنيه استرليني أو أكثر. وفي الحالات الكثيرة التي لا يجد هؤلاء عملاً تزداد حالهم تدهوراً. وكثير منهم يعلن إفلاسهم في وقت مبكر لدرجة أن أقدم عدد كبير من المصارف البريطانية على إسقاط القروض الشخصية عن آلاف الشباب لتعذر سدادها.
وفي حين أدت سياسة بلير إلى نشاط ملحوظ في سوق العقار فإنها عمقت في ذات الوقت أزمة السكن في البلاد. ورغم أن حال الرعاية الصحية ليس بذات القدر من السوء، إلا أنها لم تشهد تحسناً. وهكذا، فبفضل نهج بلير لم يبق في حزب العمال للعمال شيء. وأصبح يجد سنده الأكثر لدى ممثلي الطبقة الوسطى في جنوب إنجلترا.
السياستان الخارجية والاجتماعية أفرزتا تردياً على مستوى القيم السياسية الداخلية. ففي أوائل عام 2006 تفجرت فضيحة بيع بلير الألقاب الشرفية لعدد من داعمي حزب العمال. وقد تدخلت الولايات المتحدة للملمة الفضيحة بشرط غير أخلاقي هو الآخر، وهو مواصلة بلير دعمه سياسة بوش في العراق.
وعلى المستوى الدولي فارتباطاً بالتغيرات الحادة في طبيعة العلاقات الأوروبية الأميركية، التي أدت قبل أيام إلى استقالة بول وولفويتز من رئاسة إدارة البنك الدولي، فإن الوضع أصبح يتطلب أن يكون على رأس الحكومة البريطانية سياسي أقل ارتباطاً بواشنطن.
ولعل في ما بدأ يشاع عن محاولة واشنطن إلى الدفع ببلير إلى الحلول محل وولفويتز في البنك الدولي جزء من معارك الكر والفر بين الولايات المتحدة وأوروبا على مستوى السياسة والعلاقات الدولية. كانت الناس تنتظر رحيل بلير منذ الصيف الماضي. لكنه قرر أن يؤجل قراره حتى مايو الحالي حيث يتم عامه العاشر، ليكون قد استمر في الحكم أطول مدة بين زملاء حزبه في تاريخ بريطانيا.
ويمكن الجزم أنه كان بوده البقاء في منصبه لولا النتائج المخزية لحزب العمال في انتخابات السلطات المحلية التي جرت في 3 مايو الحالي، إضافة إلى انتخابات برلماني اسكتلندا وويلز. في مجالس انجلترا المحلية تم انتخاب 1877 نائباً من حزب العمال، أي ما يعادل 18% فقط من الإجمالي. وتبين أن حزب العمال سيسيطر على 34 فقط من 312 مجلساً محلياً.
وفي ويلز حصل «العمال» على مقاعد أكثر من غيرهم، لكنهم لم يؤمنوا الأغلبية. وتلك أسوأ نتيجة لهم خلال الخمسين سنة المنصرمة. وفي برلمان اسكتلندا (موطن بلير وخليفته براون) احتلوا المرتبة الثانية، حيث تفوق عليهم بمقعد واحد الحزب القومي الاسكتلندي بزعامة أليكس سالموند.
وعموماً فإن الاستقطاب الحاد في الانتخابات البرلمانية هناك أعطى لحزب العمال 27% من أصوات الناخبين فقط. بالمقابل سيطر المحافظون بزعامة ديفيد كاميرون على 5315 مقعداً في مجالس الحكم المحلية فأصبح لهم 165 مجلساً، أكثرها في جنوب البلاد. وعلى المستوى الوطني العام حصدوا 41% من مجمل أصوات الناخبين.
وفي حين تركزت نتائج كل من حزبي العمال والمحافظين مناطقياً ( شمال ـ جنوب) بدت بريطانيا وكأنها نسخة أوروبية غربية عن أوكرانيا، حيث يتعايش شطرا البلاد، لكنهما لا يريدان أن يفهما بعضهما ـ كما قال سايمون بستو، الباحث العلمي في فريق أبحاث السياسة العامة في مدرسة لندن الاقتصادية «لإكسبرت» في عددها الأخير (14 مايو 2007).
لا يزال لبلير قبل أن يغادر موقعه شهر ونيف، ولنا حول الموضوع لقاء.
كاتب بحريني
