عندما أقرت القمة العربية الاخيرة التي عقدت في الرياض في شهر مارس الماضي المبادرة العربية للسلام ودفعت في اتجاه اتخاذ خطوات عملية محددة لتفعيلها من خلال لجنة المتابعة العربية التي اجتمعت بالفعل وقررت عددا من التحركات تم تنفيذ بعضها، ظهر بوضوح أمام الجميع على المستويين الاقليمي والدولي ان الدول العربية جميعها تلتقي على خطة ومبادرة محددة ومتبلورة من أجل حل القضية الفلسطينية والوصول الى سلام شامل ودائم يضع نهاية لمعاناة هذه المنطقة وشعوبها لأكثر من نصف قرن.

ولان هذا الموقف الجماعي العربي الراغب في السلام والقادر على صنعه والسير اليه يمكن ان يؤدي الى انهاء النزاع العربي الاسرائيلي بكل مساراته، فان اطرافا عدة اقليمية ودولية لاترغب في حل قضايا المنطقة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وذلك لما تحققه من مصالح الان، او لما قد تحققه من مصالح في المستقبل بسبب استمرار النزاع على ما هو عليه. ولذا تسعى هذه الاطراف الى العمل بكل السبل، كل من منطلقاته الخاصة، لعرقلة المبادرة العربية للسلام او على الاقل العمل على عدم توفر المناخ المواتي لتطبيقها عمليا.

في هذا الاطار تتعدد وتتنوع مواقف الاطراف الاقليمية والدولية المختلفة من المبادرة العربية. واذا وضعنا جانبا الموقف المؤيد للمبادرة العربية، فإن المواقف المعارضة او المعوقة اخذت في التعبير عن نفسها حينا بوضوح وجموح واحيانا على استحياء .

ومع الوضع في الاعتبار ان اسرائيل حاولت فرض شروط او الايحاء بذلك على الاقل لقبول المبادرة العربية، ولم تستطع حتى الآن ابداء موقف ايجابي حيال الطرح العربي المسؤول، إلا أنها عمدت الى اقصر الطرق لتعويق المبادرة العربية وذلك بالعمل على اغراقها في خضم العمليات العدوانية التي تقوم بها ضد الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين من ناحية، ومحاولة تخريب اي محاولة فلسطينية للتماسك في مواجهتها من ناحية اخرى. والهدف النهائي من ذلك هو العودة الى النغمة القديمة بالإدعاء بأنه لايوجد طرف فلسطيني قادر على صنع وتحقيق السلام.

صحيح أن الحكومة الاسرائيلية هي التي تواجه مشكلات داخلية بسبب تقرير لجنة فينوجراد، ولكن الصحيح ايضا انها لا تريد تمكين الفلسطينيين من السير نحو التسوية عبر المبادرة العربية. ولذا تقوم بالتصعيد المتعمد والتلويح بإعادة احتلال غزة مرة اخرى وهو ما يبدد فرص التسوية الى حد بعيد .

والى جانب التحفظ الذي تبديه بعض الاطراف الدولية، عمدت اطراف اخرى الى انتقاد المبادرة العربية ومعارضتها وذلك لاسباب ومبررات خاصة بتلك الاطراف وبمصالحها الذاتية اكثر منها مصالح الفلسطينيين والاطراف العربية المحتلة أراضيها.

وفي ظل ما تشهده المنطقة العربية الآن من تطورات وتفاعلات عديدة ومتعارضة ايضا، فإنه من المهم والضروري ان تسعى الدول العربية ليس فقط الى احتواء الاقتتال الفلسطيني بين فتح وحماس ووضع حد له والعمل على بناء موقف فلسطيني موحد وقادر على تمثيل المصالح الفلسطينية وبمشاركة مختلف الفصائل الفلسطينية دون اقصاء او تهميش، ولكن ايضا تنشيط التحرك العربي لعرض المبادرة العربية للسلام على كل الاطراف المعنية لكسب التأييد لها ولاكتشاف طرق الاقتراب الممكنة لتنفيذها عمليا، وتأمين السبيل لاقامة الدولة الفلسطينية في اطار الحل القائم على دولتين فلسطينية واسرائيلية .

واذا كان من الطبيعي ان تكون هناك دوما أطراف او فصائل تعمد الى الهروب للأمام على نحو او آخر، لاسباب ومصالح محددة، ظاهرة حينا ومستترة احيانا، فإن شعوب المنطقة هي التي تدفع الثمن في النهاية. ولذا فإنه ينبغي وضع مصالحها وامالها وتطلعاتها للسلام والامن والاستقرار وبناء حياة كريمة في الاعتبار والعمل من جانب الدول العربية لتحقيق ذلك لانه يفيد كل دول وشعوب المنطقة عمليا ودون أية مزايدات .