الدخول الدموي المرفوض على خط تفاقم التوتر على الساحة اللبنانية ربما أعطى فرصة لهولاء المتنازعين (الموالاة والمعارضة) لالتقاط الانفاس قليلا ودراسة هذه الجرائم التي ترتكب ضد التعايش بين مكونات الشعب اللبناني والموزعة خياراته بين تيارات سياسية عديدة ومصالح عديدة، كما حدث في طرابلس كبرى مدن الشمال من مواجهات دامية بين قوى الجيش اللبناني، وما يسمى (فتح الاسلام) التي يعتقد على نطاق واسع انها قريبة الصلة بتنظيم القاعدة، وهي مجموعة تنتحل صفة الاسلام، وتتستر بهذا الاسم الفلسطيني النضالي لتنفيذ اهداف ومرامي القائمين على تأسيسها ومموليها ومن وضعوا خططا وبرامج لعملها على الساحة اللبنانية، وكورقة تهديد ايضا لاستخدامها لاغراض سياسية، والمؤلم ان هذه المجموعة اتخذت من المخيمات الفلسطينية في لبنان وخاصة مخيمي نهر البارد وعين الحلوة ملاذا ومعقلا لا يحظى بترحيب اللاجئين الفلسطينيين هناك، بل ان ظهور فتح الاسلام اثار تساؤلات بين اللاجئين الفلسطينيين ولدى منظمة التحرير الفلسطينية التي تعتبر ان معظم المنتمين الى هذه المجموعة من غير الفلسطينيين.

على هذه الخلفية يبرز التساؤل المهم، هل ما شهدته طرابلس، حاضرة الشمال اللبناني من احداث دامية وتزامنها تم على خلفية الخطوات التي بدأت الامم المتحدة تتخذها لتشكيل محكمة دولية للتحقيق في اغتيال رئيس وزراء لبنان الاسبق رفيق الحريري؟، ام انها تفجرت لتخريب العلاقة اللبنانية الفلسطينية التي شهدت في السنوات الاخيرة تحسنا غير مسبوق بعد قطيعة لحقتها ضبابية وتوتر؟.

لاشك أن هناك أشخاصا أو جهات يمكن أن تكون من داخل لبنان أو خارجه، تحاول صرف الانظار عن تلك المحاولة الاممية بخصوص قضية الحريري، أو أنها تسعى لاقناع المجتمع الدولي بأن تشكيل المحكمة سيخلق اضطرابات أمنية في لبنان، ويحدث اهتزازات كبيرة في الوضع الامني في البلاد وتعميم حالة الفوضى والرعب في اوساط اللبنانيين، او لاقناع الرأي العام العالمي بان حرب اسرائيل على لبنان في صيف العام الماضي كان لها ما يبررها لتحول الاراضي اللبنانية الى بؤر مسلحة وتنظيمات تسعى لضرب اسرائيل ولإثارة فوضى أمنية على الحدود معها.

ولا يعقل اطلاقا ان تكون هذه الجماعة او غيرها لها علاقة بالتنظيمات الفلسطينية او بالدين الاسلامي، ولا نبرئها من غاية مشبوهة تصب في مصلحة اسرائيل بالنهاية، وهي ارغام الجيش اللبناني على دخول المخيمات الفلسطينية واسقاط "اتفاق القاهرة" لعام 1969 الذي ينص على أن الامن داخل هذه المخيمات مسؤولية فلسطينية، وبالتالي ارباك الساحة اللبنانية والعربية بما قد يتفجر من صدامات امنية وسياسية في لبنان، وهنا نشدد على اهمية التعايش الاخوي بين ابناء المخيمات والجوار اللبناني الشقيق ورفض كل ما من شأنه تعكير صفو العلاقات الاخوية بين الشعبين اللبنانى والفلسطينى.

اننا نرى ان اي اعتداء من اي جهة يطول الجيش اللبناني والقوى الأمنية ويهدد الامن والاستقرار والسلم الاهلي والسيادة الوطنية وهيبة الدولة في هذا البلد العربي، لا يخدم احدا سوى اسرائيل واعداء وحدة الارض والشعب اللبناني، ولا بد للدولة ان تبادر وتتحرك لمعالجة هذا الوضع الخطير ومحاصرة مثل هذه الجماعات وكشف اهدافها وفضحها.