بات القاموس السياسي الفلسطيني حافلا بمغالطات وممارسات خطيرة على الرغم من أنها تبدو من الوهلة الأولى فوضوية وعفوية إلا أنها في الحقيقة ممنهجة بطريقة ترقى إلى مصاف العلوم التي لا تخيب نتائجها لكثرة تكرارها بصورة ثابتة للشكل والمضمون نفسيهما ، بغض النظر عن مكان وزمان حدوثها.
في هذا السياق باتت تتكرر وبصورة طبيعية مشاهد يغلب عليها الخلط والتشويش أحياناً وانعدام الرؤية في غالب الأحيان بحيث أصبح من المتعذر التفريق بين معسكري العدو والصديق وما ينضوي تحت لواء كل منهما من أنظمة وقوى سياسية ، أما مرد كل هذا الخلط فإنه مرتبط في المقام الأول بخوض حروب الغير ورفع شعارات وتبني سياسات واستراتيجيات لا تمت للقضية الفلسطينية بأي صلة وإنما تندرج في إطار أجندات غريبة عنها وبعيدة كل البعد عن المصلحة الوطنية الفلسطينية وأهداف الشعب الفلسطيني المتمثلة في حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
قد لا يختلف اثنان على أن ما يجري على الساحة الفلسطينية في غزة من احتراب دموي بين رفاق السلاح وأبناء الوطن الواحد إنما يصب أولاً وأخيراً وفي كل لحظة في خدمة تلك الأجندات الغريبة المغرضة، لكن في ظل هذه المسلمة المطلقة تلوح في الأفق ضرورة ملحة تفوت على البعض عمداً وعلى البعض الآخر غباءً .
عذابات الفلسطيني ما عادت تحتمل الكثير من الكلام والهرطقات السياسية، التي تخفي حقيقة مآرب وأغراض أصحابها والضرورة بمكان الولوج إلى صلب الموضوع الذي إذا أخذنا له مقطعاً طولياً أو أفقياً أو بأي اتجاه آخر فإننا سنجد أنفسنا أمام قوتين فلسطينيتين رئيسيتين تجتهدان في سبيل طمس معالم أي قوى أخرى لا غنى عنها بالمرة للخروج من النفق الفلسطيني هاتان القوتان هما حركتا فتح وحماس اللتان يتمترس أعضاء كل منهما خلف متراس سميك قائم على الروح الفصائلية الضيقة التي لا تتغذى على إنكار أي فصيل فلسطيني لأي فصيل فلسطيني آخر فحسب بل إنها تتعدى ذلك وصولاً إلى درجة التكفير والتخوين لمن هب ودب وكيفما اتفق طالما أنه لا ينتمي لهذا الفصيل .
أو ذاك بالذات وهي عادة فصائلية فلسطينية متأصلة تمتد جذورها على طول وعرض تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة المليء بحوادث الاقتتال وفصول الاحتراب ولو اختلفت الفصائل المتصارعة في كل مرة ، وإذا كان الوهم قد اعتلى جانباً من الذاكرة الفلسطينية الجمعية فالسنوات القليلة التي تلت حرب اكتوبر1973 تذكرنا بذلك الانقسام الحاد الذي صبغ مرحلة كاملة من عمر النضال الفلسطيني ، سال أثناءها، شلال آخر من الدم الفلسطيني على أيد فلسطينية أيضاً لكن تلك المرة كانت في لبنان وكان الخلاف وقتها منصبا على المشاركة في مؤتمر جنيف للتسوية الذي لم ير النور مطلقاً على الرغم من كل تلك السنوات التي دقت له خلالها الطبول.
يومها انقسمت الساحة الفلسطينية على نفسها إلى كتلتين رئيسيتين.. الأولى ضمت القوى المنادية بالالتحاق بركب تسوية جنيف الواهية وتتزعمها حركة فتح طبعاً. والثانية أطلق عليها جبهة الرفض بزعامة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وهذه اتخذت كما يوحي الاسم موقفاً رافضاً ومحقاً لوهم التسوية ذاك.
لكن مع ملاحظة أن كل كتلة من هاتين الكتلتين كانتا قد تشكلتا في إطار أجندات إقليمية ودولية لا شك أنها خدمت غير طرف ما عدا الطرف الفلسطيني نفسه الذي يفترض أنه يملك أجندته الوطنية الخاصة ويتوجب عليه أن يكون الأحرص عليها وعلى جعلها ، على الأقل فلسطينياً، تحتل المرتبة الأولى والهم الأول والشاغل الذي ما بعده شاغل لكن من المؤسف في الأمر هو أن هذا المسلك السياسي الفصائلي ألحق بالغ الضرر بالقضية الفلسطينية.
المشهد الفلسطيني الذي كان سائداً في أواسط سبعينيات القرن الماضي ها هو يتكرر من جديد لكن بزخم أكبر وعلى نطاق أوسع وعلى أرض فلسطين بالذات هذه المرة، مما يجعله أكثر خطورة وأشد وطأة على كاهل الشعب الفلسطيني الذي على الرغم من كل تلك الانحرافات الفتاكة عن سكة العمل الوطني إلا أنه لا يزال وسيبقى متمسكاً وبقوة بكل المنطلقات التي قامت عليها قضيته، ذلك أن هذا الصراع السلطوي الدامي سابق لأوانه كلياً .
ولا يخدم الأجندة الوطنية بأي حال من الأحوال، وذلك لأنه هناك صفحة لابد من أن تطوى أولاً للولوج إلى أي اهتمامات أو أولويات أخرى ، تلك الصفحة هي صفحة الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين والذي لا يزال يحتل المرتبة المطلقة الأولى على الخارطة السياسية للشعب الفلسطيني على الرغم من كل ذلك الضجيج المفتعل حول مشروع جديد لتسوية وشيكة للصراع العربي الصهيوني ، الأمر الذي لا يعد سوى كونه حلقة أخرى من مسلسل الأوهام التي تغذيها الدوائر المعادية لقضايا الشعوب في سبيل إدامة سيطرتها الجائرة على مقدرات الأمم.