من «الرياض» ارتفع الصوت الخليجي العربي على مستوى القمة واضحا لا لبس فيه برفض سياسة القوة باللجوء إلى الحرب والمطالبة بانتهاج سياسة الحوار والتفاوض المباشر من أجل السلام لحل الأزمة الأميركية الإيرانية الساخنة حول المسألة النووية، مع الاستمرار في متابعة خطوات بناء المشروع النووي السلمي الخليجي لصالح السلام والاستقرار والتنمية لشعوب المنطقة العربية الخليجية.
وتبدو أهمية إعلان هذا الموقف كرسالة خليجية عربية بعد الرسائل السياسية الساخنة المتبادلة بين واشنطن وطهران، الأميركية بالتلويح باستخدام القوة العسكرية على لسان نائب الرئيس الأميركي «ديك تشيني» خلال جولته الرباعية، والإيرانية على لسان «أحمدي نجاد » بالتحذير من رد قاسي على أي هجوم، وذلك أثناء زيارة الرئيس الإيراني للإمارات وعُمان.
كما يأتي تأثير إعلاء الصوت الخليجي الداعي إلى السلم والرافض للحرب لكونه جاء بصوت واحد لا خلاف عليه ولا اختلاف فيه مع تأكيد الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي «عبد الرحمن العطية» أن هذه هي السياسة الثابتة والدائمة لدول المجلس لحل جميع المنازعات في العلاقات الدولية، انطلاقاً من قناعة أكيدة بأن حربا إقليمية في المنطقة لن تكون في صالح أي طرف، بل ستشكل خطرا على مصالح جميع الأطراف الخليجية والأميركية والإيرانية.
وليس هناك سر في القول إن ما سمعه نائب الرئيس الأميركي «تشينى» في دولة الإمارات من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة دعوة للسلام على كل الجبهات وتحذيرا من الحلول بالمواجهة العسكرية، هو نفسه ما سمعه تشيني في الرياض من العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز، وفى القاهرة من الرئيس المصري حسني مبارك وفى عمان من العاهل الأردني الملك عبدالله بن الحسين..
تماما مثلما سمع الرئيس «أحمدي نجاد » نفس الصوت الواحد الداعي إلى السلام والرافض للحرب في مسقط من السلطان قابوس بن سعيد مثلما سمعه في دولة الإمارات الحريصة على علاقات طيبة ومتنامية ومتوازنة تقوم على الأخوة في الدين وحسن الجوار والحوار البناء لحل المسائل العالقة مع التركيز على إفساح المجال أمام كل ما يعزز العلاقات وينميها ويدفعها في الطريق الصحيح، وأيضا تضييق المجال أمام كل ما من شأنه المساس بأمن واستقرار المنطقة ودفع الأمور والأزمات في طريق مسدود.
لقد صدق القادة العرب الخليجيون في عواصمهم مثلما صدقوا في الرياض والقاهرة وعمان مع أصدقائهم الأميركيين ومع أشقائهم الإيرانيين من أن مصالحهم النفطية والإستراتيجية مع الولايات المتحدة لا تحول دون مصالحهم الأمنية والإستراتيجية مع جارتهم إيران، كما لا تحول دون معارضتهم لضربة عسكرية من صديقهم الأميركي الذي فرض نفسه بالقوة جارا مؤقتا لهم ضد جارهم وشقيقهم في الدين والذي تفرضه عوامل الجغرافيا والتاريخ جارا دائما لهم، والإعلان بوضوح هادئ أن لا مصلحة للعرب في أي مواجهة مع أحد وخاصة مع إيران.
وليس هناك أي سر في أن الجولة التي قام بها تشينى بتكليف من الرئيس الأميركي بوش للدول الأربع الصديقة للولايات المتحدة والتي انتهت بخيبة الأمل وعاد منها بـ «خفي حنين»، كانت تستهدف أولا حشد تأييد الدول الخليجية والعربية لتعويم سياسة الإدارة الأميركية الغارقة تجاه الملفين الأمني العراقي والنووي الإيراني سلما أو حربا، بهدف رئيسي هو حل أزمة الملف السياسي الأميركي بين إدارة البيت الأبيض وبين المؤسسات البرلمانية في واشنطن التي يسيطر عليها خصوم هذه الإدارة من الديمقراطيين، وأيضا صراع هذه الإدارة مع الرأي العام الأميركي.
ولأن رسالة بوش إلى القادة العرب الخليجيين عبر تشينى وليس عبر رايس تجاهلت ملف السلام الفلسطيني «والملف النووي الحربي الإسرائيلي، وأشارت إلى تراجع أميركي لصالح القوة على حساب السياسة، وغابت عنها مراعاة المصالح الخليجية والعربية التي يضرها ضررا بالغا تحويل منطقتهم الاستراتيجية الحساسة المثقلة بالأزمات الإقليمية ومسلسلات الحروب الأميركية، بالأمس ضد العراق وغدا ضد إيران، إلى ساحة حرب بين الاستراتيجيات الدولية والإقليمية المتنافسة.
ولأن التجارب المرة قبل الحلوة علمت العرب من الدروس ما يلزم أن يحفظه كل عربي بعد أن تكشفت أمامهم كل الأكاذيب وكل الأساليب التي روجتها واشنطن من قبل في محاولاتها لتبرير شن الحرب العدوانية على شقيقهم العراقي ولإقناعهم بخطورة العراق على أمنهم ومصالحهم، خصوصا بعدما تبينت الكارثة الكبرى أمام أعينهم من أنه لم تكن هناك أسلحة دمار شامل في أيدي العراقيين بل إن الحرب في الواقع كانت بهدف إجراء عملية دمار شامل للعراق العربي المسلم ونهب ثرواته النفطية.
وهذا ما أصبح أمرا مفضوحا ومعروفا للجميع بعد أن انكشفت الأكاذيب الواحدة تلو الأخرى وآخرها ما كشفه «رئيس المخابرات المركزية الأميركية السابق جورج تينيت من دور ديك تشيني شخصيا النصير الأكبر لإسرائيل والمحرض الأقوى في البيت الأبيض لسياسة الحروب في تضخيم الخطر العراقي وفى التلاعب بالمعلومات الاستخبارية للتغطية أمام العالم وأمام العرب على الأهداف الحقيقية النفطية والاقتصادية الأميركية والأمنية الإسرائيلية الخفية من العدوان والاحتلال غير المشروع للعراق.
المؤمن لا يجب أن يلدغ من جحر واحد مرتين، ولهذا كان رد القادة الخليجيين والعرب بلباقة لا يغيب عنها الوضوح، وبذكاء العقلاء أن شواغل العرب الأساسية هو في العمل من أجل السلام أولا في فلسطين والعراق، ومطالبة الولايات المتحدة بالسعي إلى تحقيقه في فلسطين بإنهاء العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني على أساس المبادرة العربية للسلام، وفى العراق بتحقيق استقلال واستقرار ووحدة وسلام الشعب العراقي، وتحقيقه مع إيران بالتحذير من اللجوء إلى استخدام القوة لحل الأزمة الأميركية الإيرانية لأن المنطقة لا تحتمل ولأنها ستكون كارثة على الجميع.
وربما بدا واضحا للجميع أنه لا المصالح الإستراتيجية المتبادلة بين واشنطن والدول الأربع، ولا التصريحات النارية من فوق البوارج الحربية وحاملات الطائرات الأميركية التي تستعرض عضلاتها في مياه الخليج العربي تستطيع أن تمنع القادة العرب من الوقوف وقفة واحدة شجاعة من أجل تحقيق الأمن والسلام والاستقرار لشعوبهم.
إن العقلاء وحدهم هم الداعون إلى بناء السلام والعاملين على إرساء العدالة شرطا لتحقيقه بين الدول دون التخلي عن إرادة المقاومة للدفاع عن حقوق شعوبهم ضد حروب المعتدين، بينما المجانين وحدهم هم قصيرو النظر من الغارقين في أوهام القوة العسكرية والساعين إلى شن الحروب لفرض إرادتهم على سياسات الدول وبسط سيطرتهم على مقدرات الشعوب.
كاتب مصري