كثيرة هي الدعوات والنظريات النبيلة التي تحولت بالتطبيق والممارسة إلى نعرات عنصرية تتسم بالتعصب والشيفونية منها الظاهرة القومية في العالم الثالث، وفي الوطن العربي على وجه الخصوص.
القومية هي شعور بالانتماء إلى أمة لها مقوماتها اللغوية والتاريخية والجغرافية. ولكل شعب أو قوم قومية لكنها تظهر وتعبر عن نفسها عندما تواجهها تحديات خارجية، وقد برزت الظاهرة القومية في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حيث حدث الصراع بين القوميات على حدود الأوطان ومواردها الاقتصادية ومصالحها الاستراتيجية، أما ما يتعلق بالعالم العربي فإن استنفار الشعور القومي جاء كنتيجة لتحديات خارجية استهدفت العرب بالتهميش والاستغلال من قبل العثمانيين والاستعمار الغربي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
لقد رأى العرب في مختلف أوطانهم أن العروبة والشعور القومي يمكن أن يكونا الأيديولوجية التي تجمعهم جميعاً على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم وأصولهم وتأسست الأحزاب القومية في فترة ما بين الحربين العالميتين إلى جانب الأحزاب الأخرى الوطنية القطرية والدينية الإسلامية والماركسية اللينينية ورأت القوى القومية بأن خلاص الأمة هو ببعث القومية لتوحيد الأمة، وتحقيق استقلالها، ومن ثم بناؤها ومواجهة التحديات التي تستهدفها بنهب الموارد والتجزئة وإثارة النعرات والحروب، وقد ظهر منظرون قوميون عرب في النصف الأول من القرن العشرين.
كما ظهرت زعامات عربية قومية أهمها زعامة جمال عبدالناصر في الخمسينات والستينات من القرن العشرين، وظهرت أحزاب سياسية قومية عديدة وبخاصة في المشرق العربي خلال القرن العشرين، وقامت ثورات وانقلابات تحت مظلة القومية العربية، وحملت شعارات قومية معظمها نظرية رومانسية تركز على الأحلام وليس على تغيير الواقع.
ودخل التيار القومي العربي في صراع مع إسرائيل والغرب الذي له مصالح حيوية في العالم العربي، ومع التيارات السياسية الأخرى مثل الماركسية والدينية وأصحاب المصالح الإقطاعية. وجاءت هزيمة 1967م انكساراً خطيراً للتيار القومي وهزيمة ساحقة له. بعدها صحا العرب على واقع خطير .
حيث انكشف كل شيء، وظهر التناقض الخطير بين الأحلام والشعارات والأماني والواقع السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي للعرب في كل أقطارهم، وبعد التقاط الأنفاس، والخروج من غيبوبة الهزيمة أعاد بعض القوميين حساباتهم بضرورة تقييم التجربة القومية ونقدها لكن البعض الآخر ظل مكابراً رافضاً الهزيمة أو حتى نقد الذات لتجاوز المحنة وآثارها.
هؤلاء السلفيون القوميون لم يتجاوزوا أطروحات الماضي، وظلت تطل عليهم وتحاصرهم نظرية المؤامرة ليل نهار، واستمروا في عقد مؤتمراتهم والنشر في الدوريات والصحافة والظهور على شاشات التلفاز وغيره يرددون صراخ الماضي وشعاراتهم دون وعي حقيقي لتطور الواقع في العالم العربي والعالم، وأقصى ما توصلوا إليه أن السبيل الوحيد لمواجهة التيارات المضادة والمستجدة والتحولات في العالم العربي هو بتعزيز وتعميق الشعور القومي ولن تحرر فلسطين ويخرج الاحتلال من العالم العربي إلا بالعودة إلى القومية وحمل لوائها من جديد.
لقد حدثت تطورات هامة وخطيرة في العالم العربي، أهمها فشل التيار القومي في تحقيق الأهداف التي رفعها وناضل من أجلها، ثم التحول من العمل القومي من أجل القومية العربية والوحدة العربية إلى العمل القطري وبناء النماذج التنموية القطرية المستقلة ديمقراطياً، وثالثاً إدراك الفلسطينيين بأن تحرير بلدهم وقيام دولتهم المستقلة على الأراضي المحتلة عام 1967م لن يكونا من البوابة القومية بل من عملهم وكفاحهم القطري الفلسطيني.
رابعاً: ما أحدثه الاحتلال العراقي للكويت من شرخ خطير في القضية القومية.
وخامساً خروج بعض الدول العربية على الحد الأدنى من الإجماع العربي بعقد اتفاقيات سلام وتعاون مع إسرائيل والأرض العربية لا تزال محتلة من قبلها.
إن القوميين التقليديين لا يزالون يراهنون على الطرح القومي الحماسي والرومانسي والعاطفي للخمسينات والستينات من القرن العشرين. نعم كان لذلك التيار دوره في تلك المرحلة في مقارعة الاستعمار والصهيونية بيد أنه اليوم غير الأمس.وكان على هذا التيار إن أراد العيش والاستمرار أن يلجأ إلى نقد الذات، وتقييم التجربة موضوعياً علّه يكتشف الخلل وأسباب الفشل ثم يبدأ من جديد.
إن المشكلة في بعض أجنحة التيار القومي العربي ليست بعدم ديمقراطيتها وتعصبها، لا بل ممارستها الشيفونية عندما أتيحت لها فرصة استلام السلطة في عدد من الدول العربية، أو حتى داخل أحزابها وما تبقى من قيادات التيار القومي بعد تشتتها وتشرذمها ظلت غير قادرة على تجاوز محنتها، فهي لا تزال تؤمن بالزعامة الفردية الكارزمية ولا تزال ترى الوحدة العربية بأية وسيلة حتى ولو بالقوة، ولا تزال ترفض الرأي الآخر، ولا تزال تكرر أطروحات الماضي.
إن الظاهرة القومية يمكن أن تكون إنسانية وبناءة، ويمكن أن تكون كالنازية أو الصهيونية مدّمرة، إن المشكلة المعطلة في أن بقايا التيار القومي لا تدرك ولا تعترف بهزيمتها، وبضعف دورها، ولا تريد أن تفهم بأن هناك متغيرات وتحولات مهمة خطيرة قد حدثت في العالم تستدعي إعادة النظر في المفاهيم والمقومات التي تربى عليها جيل عربي في مرحلة سابقة، ونسمع ونقرأ أقوالاً وتنظيراً لعناصر قومية في الصحافة العربية وفي بعض الأحزاب والجماعات وعبر شاشات التلفزيون وتستغرب لعناد هؤلاء، ونبرتهم الهجومية الحماسية التي تتسم بالهجوم على الآخر وبتعصب وشيفونية وكأنهم لا يعيشون الواقع وتطوراته.
لقد أدت الحركة القومية العربية في القرن العشرين دورها ومثلت مرحلة لها متطلباتها وهي تجربة في ذمة التاريخ لها وعليها، فقد حققت إنجازات إيجابية وكانت لها إخفاقات خطيرة، الآن نحن في مرحلة تاريخية أخرى لها ظروفها وطبيعتها وعناصرها ومكوناتها علينا أن نتعايش معها ونتكيف، ومن لا يؤمن بنظرية التكيف سيكون مصيره الانقراض كالديناصور وعلى ما تبقى من أفراد وجماعات التيار القومي أن يقوموا بنقد تجربتهم بجرأة وصراحة، ويغادروا فكرهم التقليدي بتجديد الفكر القومي إن أرادوا له الحياة والاستمرار.
ولا يمكن أن نقول هنا كيف يتم ذلك، فالأمثلة والإجابة عنها مسؤولية بعض العناصر والقيادات التي تؤمن في هذا التيار، فالعروبة ليست عنصراً بلا ثقافة، والمصلحة المشتركة مقوم أساسي للوحدة، والدين مقوم أساسي من مقومات الأمة، والديمقراطية أساسية في أية ممارسة فكرية أو حزبية أو غيرها في عصرنا، فهل فات القطار بسرعته الفائقة هذا التيار أم لا تزال أمامه فرصة اللحاق وركوب إحدى عرباته؟
كاتب كويتي