في الوقت الذي يلقى فيه ذوو الاحتياجات الخاصة عناية واهتماما من نوع خاص في كل دول العالم، يجد ذوو الإعاقة العقلية في العراق أنفسهم مهددين بالضياع وهم يدفعون ضريبة الوضع الأمني المتردي الذي يعيشه العراق وفق ما تقوله مصادر وزارة العمل والشؤون الاجتماعية هناك.

ومن بين 1150 مسجلين في معاهد الوزارة كما يذكر مدير مركز الإعاقة العقلية في دائرة رعاية الدولة لذوي الاحتياجات الخاصة، أصبح عدد المواظبين فعليا على الدوام أقل من النصف بكثير بسبب الظرف الأمني. كما أنه من بين 17 معهدا للإعاقة العقلية منتشرة في العراق فإن عددا قليلا جدا منها يعمل.

بينما لا يقصد أغلبها إلا الموظفون العاملون فيها، في الوقت الذي يغيب فيه عنها الطلاب المسجلون لأن «تردي الأوضاع الأمنية جعل قسما من عائلاتهم يفر من العراق خوفا من العنف، فيما يخشى القسم الآخر خطر الطريق، ولا تتحمل فئة ثالثة تكاليف النقل» وفق ما تذكر مديرة معهد «الرجاء» بمنطقة «المسبح» الهادئة نسبيا في بغداد.

خبر ربما مر عليه الكثير منا مرور الكرام خلال الأسبوع الماضي ونحن نشاهد المجازر التي تُرتكب كل يوم في شوارع العراق من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، غير مفرقة بين مسلم وغير مسلم، ولا سني وشيعي، ولا عربي وكردي وأرمني، ولا أي مواطن عراقي من أي قومية كان وإلى أي ملة انتسب.

قد يتساءل البعض عن الأهمية التي يمثلها هذا العدد من ذوي الإعاقة العقلية الذي يُقتَل مثله وأحيانا ضعفه في الشهر الواحد بالعراق، لكن قراءة الخبر مرة أخرى تعيدنا إلى بدايات احتلال العراق، وبعد أسبوع واحد بالضبط منه، عندما أوردت وكالة «رويترز» للأنباء خبرا من بغداد يقول إن نزلاء قسم الأمراض النفسية والعصبية بمستشفى الرشيد التعليمي قد تولوا إدارة شؤون مصحتهم بعد أن غادر الأطباء وطاقم العاملين المنشأة التي تعتبر الثانية من نوعها في بغداد.

حدث هذا قبل أن يتحول العراق كله إلى مصحة كبيرة للأمراض النفسية والعصبية والطائفية والعرقية، وكل العاهات التي يمكن أن تخطر على البال مما قد يضيق عن حصره المجال. يومها أكدت الوكالة أن الطاقم الطبي لم يعد إلى المستشفى الذي تعرض للسلب والنهب عقب انهيار النظام العراقي، فقام نزلاء قسم الأمراض النفسية والعصبية بإدارة شؤونهم، بينما بدأ بعض المواطنين في إمدادهم بالماء والطعام. ووصف نزيل بقسم الأمراض النفسية والعصبية كيف تعرضت المصحة للسلب والنهب عقب سقوط بغداد بأيدي قوات الغزو الأميركية مما تسبب في خروج نحو 400 مريض منها.

وقال النزيل هاجوب أرمين أوزونين: «الأحوال في الأسبوع الماضي ـ ويقصد الأسبوع الأول من الاحتلال ـ كانت سيئة للغاية. وكنا في وضع بائس. العراقيون.. الشعب العراقي.. اللصوص هاجموا المستشفى.. الرشيد.. مستشفى الرشيد التعليمي.. هاجموا المستشفى وبدأوا في سرقة البضائع من المستشفى.. كل الأجهزة.. أخذوا كل شيء حتى ملابس بعض المرضى».

بهذه الكلمات عبر «أوزونين» عن الوضع آنذاك. و«أوزونين» مسيحي أرمني تلقى تعليمه بالولايات المتحدة التي يقول عنها: (سافرت في أنحاء الولايات المتحدة. أحببت نيوجرسي كثيرا، لكن كاليفورنيا مليئة بالمجانين). وقال إنه جاء إلى المستشفى قبل خمسة أعوام لأنه كان مصابا بوسواس قهري وكانت علاقاته مع الناس مضطربة، موضحا أن عصابات السلب والنهب قد اجتاحت المصحة بعد دخول القوات الأميركية للعاصمة بيومين، وأن طواقم المستشفى حاولوا حماية المرضى والأجهزة والمعدات، لكنهم لم يتمكنوا من الوقوف بوجه اللصوص.

وأضاف اوزونين: «كان هناك ممرضات وأطباء ومسؤولون بالمستشفى لم يستطيعوا القيام بشيء حيال هؤلاء الناس، ثم غادروا المستشفى». وأنهى حديثه قائلا: «غادرت ليوم واحد لكن الشوارع مليئة بالمجانين»، لذلك قرر اوزونين أن يعود إلى مستشفاه لأنه يخشى على سلامته في الشوارع.لا نعرف في الواقع إن كان النزلاء الذين فروا من مستشفاهم قبل أربعة أعوام قد عادوا إليه بعد أن أدركوا أن الإقامة بقسم الأمراض النفسية والعصبية داخل المستشفى أرحم ألف مرة من الإقامة خارجه.

ولا نعرف أيضا إن كان السيد «أوزونين» ورفاقه ما زالوا مقيمين بالمستشفى يديرون شؤونهم بأنفسهم أم أنهم قد هاجروا هم أيضا بعد أن يئسوا من تحسن الوضع خارج المستشفى، تاركين العراق للعقلاء الذين خيبوا ظنهم بإدارتهم لأمور البلاد، رغم الوعود الكثيرة التي سمعوها منهم، والعهود الموثقة التي قطعوها على أنفسهم، والخطط الأمنية العظيمة التي شاهدها العالم كله عبر شاشات التلفزيون، وقرأ عنها على صفحات الجرائد، ولم يرَ أحدٌ شيئا منها يتحقق على أرض الواقع.

قبل أربع سنوات قال «هاجوب أرمين أوزونين» إنه سيظل في المستشفى لأنه يخشى على سلامته في الشوارع. يومها ضحكنا مما قاله «اوزونين» واستخف الكثير منا به. لكننا اليوم نجد أنفسنا أحوج ما نكون إلى «أوزونين» ورفاقه لإدارة شؤون العراق بعد أن جربنا إدارة العقلاء وحكمهم فلم نجنِ إلا الخراب والدمار، وقوافل الذين يتساقطون كل يوم على مسرح العمليات الانتحارية وفوق أرصفة الشوارع وداخل المزارات والمساجد، أولئك الذين تتطاير جثثهم مع الكتب والمصاحف، وتختلط لحومهم ودماؤهم مع البضائع وسط الأسواق بين عربات الباعة والمحلات والمتاجر.

اليوم نحن مطالبون بأن نقدم ل«أوزونين» ورفاقه اعتذارنا لأنهم أثبتوا لنا أن العقل ليس حكرا على الذين هم خارج المصحات النفسية والعصبية، فخارج أسوار هذه المصحات يعيش آلاف المجانين الذين يشكلون خطرا علينا وعلى أنفسهم وعلى البشرية كلها.

اليوم نحن مطالبون بأن نقدم ل«أوزونين» ورفاقه شكرنا لأنهم كشفوا لنا أن كثيرا من الذين يعتلون الكراسي ويحتلونها تعتلي أجسامهم رؤوس خاوية تفتقر إلى العقول التي تملؤها والحكمة التي تديرها. اليوم نحن مطالبون بأن نعترف ل«أوزونين» ورفاقه بأن الذين يملكون العقل والحكمة منا غير قادرين على الفعل والتغيير لأنهم لا يملكون القوة التي أصبحت فوق الحق والعدل وكل القيم التي قرأنا عنها وأحببناها ولم نرها تتحقق في عالمنا.

اليوم نحن مطالبون بأن نعطي «أوزونين» ورفاقه الفرصة كي يثبتوا لنا أنهم لا يقلون عن غيرهم عقلا وحكمة وقدرة على إدارة شؤون الحياة بعد أن أثبت أصحاب العقول أنهم عاجزون ومشلولون.

اليوم نحن مطالبون بأن نقرَّ بأننا قد فشلنا في استثمار عقولنا وتسخيرها في تحقيق الخير لأنفسنا وأوطاننا. فهل نطمع في أن يستجيب «أوزونين» ورفاقه لندائنا فيخلصوننا من الورطة التي أوقعناهم وأنفسنا فيها؟

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com