لا يمكن تجريد الرئيس بوش من أي نجاح، لكنه الأكثر اخفاقاً وفق سياق الأحداث وتنامي الانتقادات من داخل أميركا، وظهور صورتها في الخارج أن قادتها ليسوا بحجم دورها وأهميتها العالمية، وهذا النقص في ادارة دولة عظمى مرهوبة، خلق اتجاها أن الانتخابات التي تأتي بالقيادات ليست دائماً استفتاءً موضوعياً على صلاحيات الاشخاص وتأهيلهم لدور رئيس في قوة تجاوزت كل العصور بمظاهر انجازاتها العلمية، وثرائها الكبير، وتأثيرها على البشرية بأجمعها.
فقد فقد الرئيس بوش أحد أعمدته وزير الدفاع (رامسفيلد) وتبعه مساعده (بيرل) ثم (بولتون) مندوب أميركا في الأمم المتحدة، الموصوف بالمتعجرف واللامبالي بأدبيات الحوار، وقفلت على "وولفو فيتز" الذي انتقل من فريق الرئيس الى البنك الدولي بفضيحة مدوية اضطرته للاستقالة والاقالة، وشكلت فضيحة "مدام واشنطن دي - سي" أخطر قضية اخلاقية كشفت الوجه الآخر لمسؤولين كبار مارسوا أسوأ السلوكيات التي تتجاوز وظائفهم والتزاماتهم الأدبية والاخلاقية.
تساقط الفريق الموصوف بالمحافظين الجدد، والذي جاء برؤية قلب العالم من خلال المثل الأميركية التي لابد أن تكون النهج الذي يتوجب عليها فرضه، بدأ بفرص جاءت لذلك الفريق بعد أحداث 11سبتمبر، وبدلاً من استثمار الشجاعة الأدبية بقيادة هذه الدولة الكبرى وفق عالم أقل توتراً، وأكثر بناء، جاء غزو العراق وفق ترانيم كنسية، ورؤى تريد أن تدمج المقدس بالسياسي، كأخطر السقطات لذلك الفريق، والدليل أن المعاناة التي تسببت بها ادارة بوش لأميركا في الداخل، أكثر من تدمير العراق وتركه نموذجاً لأسوأ سياسة لدولة عظمى، جاءت بمفهوم هزيمة الدكتاتورية ببديل ديموقراطي، الى أشرس حرب أهلية كلفت العراق وأميركا معاً خسائر فاقت النتائج التي اعتقدتها حكومة الرئيس الأميركي.
مقاييس النجاح والرسوب تبدأ من قياس الرأي العام المحلي والعالمي وقد تضافرت كلاهما بأن الرئيس بوش تجاهل المخاطر ليكون مغامراً معتقداً أن الذين قادوا الحزب الديموقراطي مترددون، وغير فاعلين حتى ان الانصراف عن الحليف الاوروبي، والتعامل فقط مع بلير جعل الاسئلة حول التورط البريطاني بتلك المغامرات، مثار استغراب وهي الدولة الحذرة والقاسية في نقدها لذاتها وتقويم تحركاتها وخوض أي مغامرة ليست محسوبة النتائج.
كيف جاء التآلف الذي تورط وورط الرئيس بأفكار متطرفة وضعت اميركا على المحك في امتحان كوني، حين ظهرت صورتها متعارضة مع دعواتها، ولماذا دخلت مآزق الكراهية مع محيط عالمي وتحول نموذجها الى شكل مغاير لتحررها واستقطابها كل جديد بتفاعل نادر في تطوير الأفكار والسلع والثقافة المفتوحة على كل الاتجاهات، لنرى السجون الطائرة والمستقرة وتحويل المطارات والموانئ، والسفارات الامركية الى اقسام تحر، واستجواب لكل عابر او طالب للزيارة أو لأي غرض آخر، ولماذا أصبح الرعب من الآخر جزءاً من حرب نفسية داخلية بدأت تخلق أزمة نفسية لكل مواطن أميركي؟
المشكلة تتعلق بإدارة لم تراع أن للعالم نبضاً خاصاً، وحساً متطوراً، وان العيون ترى كل الألوان والأطياف بما فيها سقوط أعمدة الدولة العظمى.