تستقبل إسرائيل عامها الستين وهي تعيش أجواء أزمة طاحنة لا يخفف منها إلا عجزنا العربي المزمن، ولا يقلل من آثارها إلا انكسار المقاومة الفلسطينية ودخولها في عملية تدمير ذاتي يضع الشعب الفلسطيني على أبواب كارثة جديدة ستكون الأفدح في تاريخه.

التقارير الإسرائيلية نفسها تنتهز المناسبة لتطرح أبعاد الموقف الذي يواجهه الكيان الصهيوني وانعكاساته على الحركة الصهيونية العالمية، فالفشل الإسرائيلي في لبنان لم يكن فقط مجرد عجز عن تحقيق انتصار على بضعة آلاف من جنود المقاومة أو حتى على لبنان صاحب الإمكانيات العسكرية الصغيرة، ولكنه يطرح السؤال الكبير عن مستقبل المشروع الصهيوني،

خاصة حين يترافق مع حقيقة أنه لأول مرة منذ خمسة وعشرين عاماً يفوق عدد المهاجرين من إسرائيل في العام الماضي عدد المهاجرين إليها، حيث هاجر إلى إسرائيل في هذا العام حوالي 15 ألف يهودي بينما غادرها حوالي 20 ألفاً،

وهو أمر لم يحدث قبل ذلك إلا مرتين الأولى في أعقاب حرب أكتوبر 73، والثانية في أعقاب أزمة اقتصادية طاحنة عامي 83 و84. مع ملاحظة أن الأمر هذه المرة يترافق مع هجرة مئات آلاف اليهود من دول الاتحاد السوفييتي السابق لكنهم فضلوا الذهاب إلى الولايات المتحدة وأوربا.

وما يزعج الحركة الصهيونية أن آثار حرب لبنان لم تسهم فقط في تراجع مكانة إسرائيل وفقدانها لدورها كحارس للمصالح الأميركية كما كانت تروّج، ولكنه يسهم أيضاً في ضعف مكانة الجماعات اليهودية في الدول التي تتواجد فيها.

ويترافق ذلك أيضا مع مخاوف يجري تضخيمها لتبرير السياسات النازية لإسرائيل، ولكنها تحمل شيئاً من الحقيقة حول انخفاض نسبة المواليد اليهود وارتفاعها عند العرب، الأمر الذي يهدد ـ كما يقولون ـ الطابع اليهودي للكيان الصهيوني.

ذلك وغيره من العوامل الأساسية جعلت العديد من اليهود يطرحون السؤال الهام : هل بلغ المشروع الصهيوني غايته وبدأ في الانحسار ؟! وهل يمكن لإسرائيل ـ بما تملكه من عوامل القوة العسكرية وعوامل التفوق العلمي ومصادر الدعم الخارجي ـ أن توقف هذا الانحسار، وأن تستمر في مشروعها ؟ أم أنها في صراع محكوم عليه بالضرورة بالفشل منذ بدايته؟

وتختلف الإجابات بالطبع، لأن الأمر لا يتعلق فقط بالعوامل الذاتية الخاصة بالكيان الصهيوني، ولكن يتعلق أيضا بعوامل إقليمية وعالمية، وبأطراف أخرى في مقدمتها الطرف العربي الذي لا يبدو فقط عاجزاً عن التعامل مع لحظة الضعف لدى الكيان الصهيوني، بل إنه - للأسف الشديد - يقدم لهذا الكيان ما قد يمنحه القدرة على تجاوز محنته !

وهكذا في ذكرى النكبة كانت الأردن تستضيف السيد أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي ليتحدث في مؤتمر عالمي عن كرم إسرائيل واستعدادها للتفاهم، واستعداده هو شخصياً للجلوس مع زعماء الدول العربية جميعاً ليبحث معهم مستقبل السلام في المنطقة !!وقبله بيومين كانت وزيرة خارجيته ليفني تجتمع في القاهرة مع وزيري خارجية مصر والأردن،

ثم تخرج هي ومصادر حكومتها لتهلل للخطوة «التاريخية» التي يبدأ معها انفتاح «الجامعة العربية» على إسرائيل، مؤكدة أن وزيري الخارجية المصري والأردني سيزوران إسرائيل كممثلين للجامعة العربية لمتابعة المحادثات والمثير أن السيدة ليفني التي هللت للخطوة «التاريخية» لم تذكر كلمة واحدة عن المبادرة العربية!!

ولعل هذا ما دعا الرئيس المصري حسني مبارك إلى التأكيد في تصريح لاحق على انه ابلغ وزيرة الخارجية الإسرائيلية «أن أحداً لا يمتلك التنازل عن حقوق الفلسطينيين، وأن أي رئيس دولة عربية لا يجرؤ على حذف بند عودة اللاجئين من المبادرة ، والشيء نفسه بالنسبة لباقي البنود»

وأظن أن القراءة الصحيحة لهذا التصريح تعني أن الإدارة الأميركية تواصل ضغوطها على أطراف عربية عديدة من اجل الإقرار بأن تتحول المبادرة العربية إلى مجرد ورقة للتفاوض، وأن يتم التسليم بالتنازل عن حق العودة. ولا أظن أن توقيت نشر التصريح قبل زيارة أولمرت للأردن كان من قبيل المصادفة، خاصة بعد التصريحات السابقة لعاهل الأردن حول حق العودة.

ويتصل بذلك أن جهوداً عربية تبذل، ووفوداً تتصل بالعواصم العالمية لما قيل انه مهمة شرح وتفعيل المبادرة العربية. وقد سألت قبل أيام مسؤولاً عربياً كبيراً على اتصال بكل هذه التحركات : هل هناك من طائل وراء كل ذلك ؟ وكانت الإجابة واضحة قاطعة : لا شيء على الإطلاق !!

إذاً هو كسب الوقت لأميركا وإسرائيل كما قلنا مراراً، ومحاولة بيع الوهم للشارع العربي بأن هناك موقفاً أميركياً جديداً سينتصر للقضية الفلسطينية بعد أن أدركت واشنطن أنها «أم القضايا» في المنطقة ومفتاح الاستقرار فيها.

فهل تستمر الدول العربية في اللعبة الخاسرة أم تطرح السؤال وتحدد الموقف بأن تؤكد أن المبادرة هي آخر طريق التنازلات، ولا خطوة أخرى بعد ذلك إلا إذا أعلنت إسرائيل قبولها لها دون تحفظات.. فإذا قبلت كان التفاوض على وسائل التنفيذ، وإذا رفضت توقف تقديم الهدايا المجانية لإسرائيل وأيضا للولايات المتحدة الأميركية!

لكن المأساة الحقيقية تبقى على الأرض الفلسطينية، حيث «الاخوة الأعداء» في «فتح» و«حماس» يقودون الموقف إلى الحرب الأهلية التي لم تنجح الجهود العربية حتى الآن في سد الطريق أمامها. انشغل الاخوة في الفصيلين الأساسيين بالصراع على سلطة وهمية،

بينما الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع يعاني مجاعة الحصار الظالم، ويعاني العدوان المستمر لاحتلال نازي عنصري، ويعاني من انفلات أمني تنتقل فيه السيطرة رويداً رويداً من الفصائل السياسية المتصارعة إلى عصابات النهب والاغتيال، وبينما القضية الفلسطينية نفسها تتراجع حتى في وقت بدأ فيه العالم يسأل عن مدى الظلم اللاحق بالشعب الشهيد.

والذين وقعوا على اتفاق مكة وعادوا ليبشروا بانتهاء الصدام الداخلي، كان كل فريق منهم يراقب على مدى الشهور الماضية جهود الفريق الآخر في تكديس السلاح ! وتشكيل حكومة «الوحدة الوطنية» لم يكن إعلاناً بوحدة القرار الفلسطيني النابع من الالتفاف حول برنامج موحد للعمل،

والثقة بين الأطراف الوطنية غائبة، والانقسامات في الرؤى حتى داخل الفصيل السياسي الواحد تتزايد، والكل يتصرف وكأنه في دولة حرة مستقلة تتحمل كل هذا العبء، ويتناسى الحقيقة الأساسية أنه لا توجد حركة تحرر وطني استطاعت أن تحقق أهدافها إلا بقيادة موحدة وبرنامج عمل واحد ينضوي تحته الجميع.

في ظل هذه الوضع كان طبيعياً أن تتزايد الضغوط الإسرائيلية والأميركية من أجل تفجير الموقف. وأن يظل سلاح الحصار والتجويع باقياً، وأن تتمخض الوعود الأميركية عن مشروع لا يستهدف إلا تحقيق أمن إسرائيل مقابل ثمن بخس، بدأت إسرائيل على الفور في المساومة عليه،

وهو مجرد إزالة بعض الحواجز وتسهيل مرور المواطنين الفلسطينيين. وكان المثير أن توافق الرئاسة الفلسطينية ولا توافق الحكومة بمن فيهم ممثلو «فتح». والوثيقة الأميركية في هذا الصدد لا يمكن أن تكون اقتراحاً أميركياً خالصاً، ولابد أن تكون أطراف الحكومة الإسرائيلية وأطراف أخرى في السلطة الفلسطينية مشاركة في إعدادها،

وهو ما يعزز الأنباء التي تم تسريبها عن محادثات سرية تجري في أوروبا بعيداً عن الأضواء بين الطرفين. وهو ما يزيد الشكوك بين «فتح» و«حماس».. بل ويزيد الشكوك بين أطراف مختلفة داخل كل فصيل منهما، وهو ما يفتح الباب لمخاطر أشد إذا تشرزمت التنظيمات السياسية الأساسية، وانفتح الباب لجماعات صغيرة مسلحة تتقاتل فيما بينها بعد أن دفنت في التراب ما عاشنا عقوداً نردده عن «حرمة الدم الفلسطيني على البندقية الفلسطينية».

هكذا نستقبل العام الستين بعد نكبة فلسطين. والكيان الصهيوني في أزمة لن يتجاوزها إلا بضعفنا. والعرب - كما كانوا - في أزمة لن يتجاوزها إلا ببناء القوة التي يملكون أدواتها ويفتقدون الإرادة لتفعيلها فتكون النتيجة أن ينجروا من تنازل إلى آخر وبالمجان. والفلسطينيون في أزمة لن يعبروها إلا بوحدة وطنية حقيقية تنقذهم من الكارثة التي يقادون إليها.

والنتيجة : نظام عربي يتحدث عن تفعيل المبادرة العربية وهو يعرف انه لن يصل إلى شيء حقيقي. وفلسطينيون يواجهون حرب الإبادة على يد العدو الصهيوني، ويواجهون الحصار والتجويع، ثم يكتب عليهم أن يواجهوا خطر الحر ب الأهلية بين الاخوة الأعداء،

بينما على الجانب الآخر عدو يتحرك حتى وهو يواجه الهزيمة ويستغل كل ما نقدمه له من هدايا مجانية وكل ما توفره له أميركا من دعم ومساندة فيحتفل بالذكرى بالإعداد لحرب جديدة على لبنان يثأر فيها من هزيمته، ويرصد مليار ونصف مليار دولار لاستكمال تهويد القدس، ويمضي قدما في السيطرة على الضفة الغربية وتقطيع أوصالها ويرفض أي حديث عن عودة اللاجئين أو استعادة القدس العربية أو الالتزام بحدود 67.

أما نحن.. فمطلوب منا أن نقيم صلاة الشكر كلما مرت أربع وعشرون ساعة دون قتال بين الاخوة الأعداء في غزة.. حتى ونحن نعرف أن القتال توقف لكي يتم استئنافه بعد التقاط الأنفاس وتكديس السلاح، وحتى ونحن نعرف أن الأشقاء في فتح وحماس «عائدون».. ليس إلى الأرض السليبة كما كنا نحلم على مدى عشرات السنين، بل إلى «عار» حروب الفصائل على سلطة وهمية تحت لا تملك من أمرها شيئاً !!.

نقيب الصحافيين المصريين