ظن العديد من المراقبين أن اتفاق مكة الذي وقعته حركتا فتح وحماس في فبراير الماضي سيكون مفتاحا لوأد الفتنة بين الأشقاء الفلسطينيين، غير أن الأيام وتصاعد الشقاق وسيل الدماء الذي سال في غزة مؤخرا، اخرج الاتفاق عن مساره الصحيح، وأضاع جهودا استهدفت الخروج من نفق العنف المظلم الذي تعطي إسرائيل فرصة للعودة إلى سياسة الاغتيالات وتصفية حساباتها مع هذا الطرف أو ذاك.
نعم هناك تباين واضح في القول والممارسة بين فتح وحماس وفي نظرتهما لمسيرة العمل الوطني الفلسطيني، لكن أياً كانت الخلافات بين الطرفين، فلا يجوز حلها بالاحتكام إلى السلاح، وتوجيه الأخ رصاص بندقيته إلى شقيقه على نحو ما جرى في غزة التي سقط فيها عشرات الشهداء والجرحى الذين لا يزال الحصار والتجويع والإفقار يحاصر أهلهم وذويهم.
أجندة حماس بالقطع لن تتبنى رؤية فتح والعكس صحيح، غير أن هناك العديد من خيوط الالتقاء إذا رغب الطرفان بصدق في تجاوز هذه المرحلة الصعبة من عمر النضال الفلسطيني، وأراد بحق العودة إلى المسار الذي يجمع ولا يفرق.
لا نريد إدانة طرف على حساب الآخر فعندما يراق الدم الفلسطيني على الطرقات بسلاح فلسطيني فالكل مسؤول وعلى الجميع تحمل تبعاته التاريخية، والالتزام بما هو معلن على لسان قادة فتح وحماس حول حرمة الدم الفلسطيني واعتباره «خط احمر» غير مقبول أبداً تجاوزه مهما كانت المبررات والذرائع.
لقد استغلت إسرائيل الشقاق بين الفلسطينيين، لتعود إلى سيرتها الأولى في تصعيد العدوان على العزل والنساء والأطفال من أبناء الشعب الفلسطيني، فهل كان يحتاج من رفع السلاح في وجه شقيقة إلى غارات إسرائيل ليفيق على وقع الحقيقة التي تقول إن الخطر مصدره معروف،
وان الاحتلال لا يزال قائما وحلم الدولة الفلسطينية المستقلة يمكن أن يتحول إلى أوهام بفعل الممارسات غير المسؤولة التي انغمست فيها الأجنحة العسكرية وغير العسكرية لفتح وحماس. نضال شعب يعاني منذ ما يقرب من 60 عاما، يتبدد الآن وللأسف بأيدي المنوط بهم الدفاع عن مكتسبات تحققت بدماء آلاف الشهداء وتشريد مئات الآلاف داخل الوطن السليب.
وبدلا من الدفع للأمام صوب حلم الاستقلال، استقبل الفلسطينيون ذكرى نكبة 48، بمثل هذه الفواجع المؤلمة التي جعلت القاصي والداني يستخف بتضحيات قدمها الفلسطينيون وأشقاؤهم العرب طوال كل هذه السنوات.
قد تتهم حماس أطرافاً بعينها على تقوية فتح على حسابها، ومحاولة سلب فوزها الانتخابي الذي وضعها في صدارة العمل التنفيذي، وبالمثل قد تتهم فتح حماس بالارتباط بأطراف خارجية، لإفساد التهدئة التي يمكن أن تساعد دوليا في فك الحصار عن الفلسطينيين، غير أن الاتهامات المتبادلة، لا تحل الواقع المعقد والصورة السلبية التي وصل الطرفان إليها خاصة في الأيام الأخيرة.
لكن ما هو المطلوب حاليا لتجاوز هذه الصورة الرديئة التي وصلت إليها الأمور؟ في تقدير العديد من المراقبين أن مفتاح الحل هو العودة إلى الحوار الجاد بين فتح وحماس على أرضية تعيد الثقة المفقودة بين الطرفين، وان تتم هذه الحوارات بمساعدة عربية واسعة تضغط باتجاه تسوية القضايا العالقة من اتفاق مكة،
وألا تقف الدول العربية ذات الثقل في العلاقة مع الفلسطينيين مكتوفة الأيدي، أمام انهمار الدم الفلسطيني، وألا يدير البعض ظهره لما يجري في الساحة الفلسطينية، لان الاقتتال الفلسطيني فضلا عن كونه شيئا مؤسفا ويبعث على الإحباط، ستكون له تداعيات خطيرة ليس في الداخل الفلسطيني فحسب وإنما على باقي الدول العربية المحيطة.
ومطلوب من عناصر فتح وكوادر حماس ـ حتى تنجح مساعي وأد الفتنة ـ البعد عن التعبئة والتحريض وكيل الاتهامات لبعضهم البعض بالعمالة لهذا الطرف أو ذاك.