يبدو المشهد الفلسطيني سائراً نحو نكبة جديدة في الذكرى التاسعة والخمسين لنكبة فلسطين. كنا، مثل العديد من المراقبين، قد نبهنا في الماضي من مخاطر عدم حدوث حراك سياسي في المسألة الفلسطينية مشبهين ذلك باستحالة بقاء الدراج على دراجته دون حركة.
فالجمود القاتل والانسداد الكلي اللذان طبعا الوضع منذ اتفاق مكة وتشكيل حكومة فلسطينية وهما حدثان كانا يفترض أن يلقيا ترحيباً دوليا فعليا لإعادة إطلاق قطار التسوية، مهددان بالسقوط حاليا مع ازدياد الاحتقان في فلسطين وفي غزة على الأرض تحديدا والانفجار العسكري الذي حصل في الأيام الأخيرة. المشهد الفلسطيني محزن ومقلق ومحبط وهذا اقل ما يقال في وصفه.
الفقر يدفع الأطفال في غزة إلى ترك المدرسة والدخول في سوق العمل في أسوأ الظروف وقد بلغت نسبة الفلسطينيين الذين يعيشون تحت خط الفقر 60% وهي نسبة مرتفعة جدا نتيجة البطالة وظروف الحياة الأمنية والحصار وتقطع الشرايين الاقتصادية للمجتمع الفلسطيني وتدني الأجور ومعها الدخل بشكل مريع فيما الحصار مستمر تحت عناوين مختلفة وبتبريرات مختلفة.
استمرار الدراج على دراجته دون حركة أعطى وقتا ثمينا لمن يريد أن ينسف إعادة التحرك من متشدد هنا وهناك أو غير مرتاح أساسا لاتفاق مكة لأسباب عقائدية أو سياسية أو مصلحية لأن يتحرك ضد الآخر الفلسطيني بشكل أكثر قوة محملا ذلك الآخر مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع.
أضف إلى ذلك أن الساحة الفلسطينية صارت مكان تجاذب كبيراً للصراعات والمواجهات الاستراتيجية العربية الإقليمية الدولية مما زاد من نسبة الاحتقان وظروف الانفجار. ويمكن التذكير أيضا في هذا السياق بتفتت سلطة ضعيفة أساسا منذ إنشائها بعد اتفاق أوسلو ونشوء دويلات أمر واقع في غزة أساسا وفي الضفة مما ساهم في حالة الفلتان الأمني وعزز ذلك تزايد الجريمة الناتجة عن الانهيار الاجتماعي الاقتصادي.
في مناخ اليأس وسياسات التيئيس وانسداد الأفق المستمر والمهانة اليومية والحصار القائم والمستمر يصبح الانتحار السياسي عبر اللجوء إلى أفكار عدمية متطرفة تقوم على الانقطاع عن العالم من خلال اعتماد نظريات مطلقة وإعطائها طابعا قدسيا والصدام مع الكل، يصبح ذلك سهلا في بيئة من هذا النوع مما يعزز مناخ الطلبنة أو أفغنة الأمس والعائدة اليوم.
وقد دلت بعض الحوادث الأخيرة في المجتمع الفلسطيني الموجهة ضد جماعات أو نشاطات ورموز دينية وثقافية واجتماعية واقتصادية على بداية تغلغل الفكر «القاعدي» وسلوكياته التي تمثل نقيضا للإرث الثقافي الفلسطيني المعروف بالانفتاح والتعددية والتنوع والتسامح وهي صفات طبعت دائما الشعب الفلسطيني وكان لها دور مهم في التعريف في القضية الفلسطينية على كافة الأصعدة.
إن هذا الوضع الذي تعززه وتدفع إليه سياسات إسرائيلية وتوجهات دولية معينة يؤدي من جهة إلى حدوث انقلاب في ثقافة بعض المجتمع الفلسطيني ويدخل عنصرا خطيرا إلى الجسم السياسي الفلسطيني من جهة أخرى من الصعب معالجته والانتصار عليه في سياق قائم على تردي الأوضاع وغياب أي ضوء في آخر النفق.
ذلك كله يعزز منطق العدو والخصم الذي منذ ست سنوات تقريبا يحاول أن ينزع صورة التحرير الوطني عن القضية الفلسطينية ليلبسها صورة صراع الحضارات والتخلف والإرهاب الذي هو خطر على الجميع القريب والبعيد والذي تجب مواجهته ضمن هذا المنظور وليس التعاطي معه ضمن مفهوم تحرير وطني واستقلال.
إنها سياسة دفع الآخر إلى اليأس والى انتهاج بعض هذا الآخر للسلوكيات الناتجة عن اليأس بغية تعميمها كسمة طبيعية للشعب الفلسطيني وجعلها لب «المشكلة» الإسرائيلية الفلسطينية بشكل خاص والعربية الإسرائيلية بشكل عام. إن سياسة الحصار والجمود وتكريس الانسداد السياسي كما هو حاصل ومستمر تؤدي إلى هذا الوضع وتعززه.
فكأنما الهدف ضمن أهداف أخرى هو إسقاط اتفاق مكة وما يمثله من بداية لتغير نوعي في سياسة حماس ومستقبلها على الساحة الفلسطينية وكأنما الهدف هو تكريس التطرف الأيديولوجي ومنع حصول أي تحولات سوسيولوجية وسياسية تنتج عن مواكبة انجازات يفترض تحقيقها للشعب الفلسطيني بالنسبة لحماس بشكل خاص وبالنسبة للجسم السياسي الفلسطيني ككل بشكل عام.
إنها سياسة تهدف إلى ضرب السلطة وإضعافها وتحويلها إلى وظيفة أمنية فقط فيما يجري الإعلان المستمر عن هدف إنشاء الدولة الفلسطينية التي يفترض أن تشكل نتيجة منطقية وحتمية لتطور دور السلطة ووظائفها ومهامها.
المشهد الفلسطيني يمثل نكبة جديدة ويعبر عن أزمة وطنية ومجتمعية متعددة الأوجه للعدو والخصم دور أساسي في خلقها وتعميقها ولكن للفلسطينيين مسؤولية أولية وأساسية في مواجهة هذا التحدي عبر آلية حوار وطني يشارك فيها الكل ويتحمل فيها مسؤولياته التاريخية والمصيرية تجاه شعبه.
فالموضوع لا يتعلق بالتوصل إلى مزيد من الهدنات العسكرية الهشة بين الأشقاء أو إلى توليفات محلية دون أي عمق سياسي تسقط عند أول اهتزاز تتعرض له من الرياح «الخارجية» العاتية. في ظل هذا المشهد الفلسطيني العام مشهد الأزمة الوطنية تعيش إسرائيل الطرف المحتل أزمة سياسية عنوانها تقرير فينوغراد الأولي، تقرير المحاسبة عن المسؤولية عن حرب الصيف الماضي ضد لبنان.
الخلاف بعد التقرير ليس حول شن الحرب من عدمه فالجميع متفق على الحرب ولكن الخلاف حول كيفية إدارة الحرب ومن يتحمل تلك المسؤولية. هذا الخلاف جاء ليعبر من جهة ولكن ليكرس بقوة من جهة أخرى حالة التحالفات السياسية الهشة في الحكومة وخارجها وليدل على مدى التطرف التي وصل إليه المجتمع الإسرائيلي وخلط الأوراق الذي حصل في العشرية الأخيرة على صعيد التوجهات العامة في السياسة الإسرائيلية.
يستمر ما بقي من اليسار في تأييده لتحالف حزب العمل مع حزب كاديما خوفا من قدوم الليكود ونتانياهو إلى السلطة وورقة الخوف من نتانياهو تمثل الورقة الأساسية في يد اولمرت للاستمرار في قيادة حزبه ولاحتواء الانتفاضة التي حصلت ضمنه وللاستمرار في تحالفه مع حزب العمل الذي ينتظر إجراء انتخابات خاصة به في نهاية هذا الشهر.
انتخابات يفترض ان تكون حاسمة بِشأن مستقبل العلاقة بين حزب العمل وكاديما. ولا بد من الإشارة إلى وجود مجموعة صغيرة ضمن حزب العمل ولكنها مهمشة تدعو إلى الاستفادة من هذه اللحظة إلى إعادة صياغة التحالف مع كاديما على أساس الذهاب إلى المفاوضات واعتماد فعلي لمنهج العملية السلمية وليس فقط الاكتفاء بتحالف انتخابي يستفيد منه حزب كاديما ومبرره السياسي إبقاء الليكود بعيدا عن السلطة.
ويحاول اولمرت في هذا المجال عقد صفقة مسبقة مع حزب العمل قوامها الاستمرار في الحكومة مقابل إجراء انتخابات مبكرة فيما لو فاز ايهود باراك بزعامة الحزب. في ظل اللعبة السياسية الحزبية التقليدية والمشتدة في إسرائيل والغرق في هذه اللعبة
باعتبار أن الجسم السياسي الإسرائيلي مطمئن إلى عدم وجود أي ضغوطات موضوعية وفعلية خارجية سواء دولية أو إقليمية تدفع إلى إعادة إحياء العملية السلمية، يبدو أن سيناريو الهروب من الأزمة نحو حروب صغيرة من خلال عمليات عسكرية في غزة والعودة إلى سياسة الاغتيال كما اقترحت المجموعة الأمنية في الحكومة الإسرائيلية يبدو أن ذلك سيكون عنوان المرحلة القادمة،
رغم أن إسرائيل تقوم بإجراء مناورات واسعة تحت سيناريو حرب شاملة. لكن المرجح يبقى اللجوء إلى سيناريو الضربات الكثيفة والحروب السريعة والصغيرة وبشكل خاص ضد غزة إذ أن من السمات الرئيسية في السياسة الإسرائيلية أن الهروب عند الحكومة من وضع سياسي ضعيف ومرتبك يتم عبر تسخين الجبهة تحت سقف معين لا يهدد بالانجرار إلى حرب واسعة أو كبيرة.
في ظل الأزمة (الوجودية الفلسطينية) يصبح من السهل على إسرائيل اللجوء إلى سياسات من هذا النوع. في ذكرى النكبة وتلافيا لنكبات اكبر بأيدي فلسطينية ولو بظروف موضوعية مصنوعة بشكل أساسي من خارج البيت الفلسطيني يبقى التحدي الأساسي أمام القيادات الفلسطينية السياسية والشعبية والفكرية أن تتصرف بأعلى مستويات الحكمة والرؤية للخروج من هذا المأزق الذي دفع إليه الشعب الفلسطيني.
كاتب لبناني