يمكن اعتبار الوحدة والتنوع من المفاهيم والتعبيرات الأكثر تداولا في اللغة السياسية السودانية.ويستنجد بها كثيرا لتفسير واقع السودان المعقد:ـ اثنيا وعرقيا ودينيا ولغويا. ويدرج هذا التعقيد ضمن التعدد والتنوع المميز لكل دول العالم الثالث والتي لم تمر بمراحل التوحيد القومي ثم الدولة الوطنية كما حدث في أوروبا القرن التاسع عشر.

ولكن السؤال كيف يمكن أن يقود هذا التعدد إلى الوحدة الوطنية؟ وكيف تستطيع هذه المجموعات المتعددة أن تتعايش سلميا داخل دولة واحدة أو موحدة تحت حكم فيدرالي أو حكم لا مركزي؟وكيف يمكن تجنب هيمنة بعض المجموعات الاثنية او ضبطها ضمن دساتير وقوانين تحدد حقوق المواطنة المتساوية؟ كان الأمر يحتاج إلى قدر كبير من العقلانية والمهارة السياسية لتكييف التعدد والتنوع مع فكرة الدولة الوطنية والوحدة الوطنية.

وجد السودان نفسه أو نصّب نفسه ممثلا ومجسّدا لفكرة الوحدة والتنوع وكاد يحتكرها ويطالب ببراءة الاختراع. وحين تم توقيع اتفاقية السلام الشامل، دخل السودان اختبار تطبيق الفكرة التي روج لها كثيرا. وقد جاءت الاتفاقية مشتملة دستوريا على مضامين الوحدة والتنوع.

ولكن واقع الأمور في السودان اخذ شكلا مختلفا تماما، فقد برزت المطالبات بحقوق التعدد ووصلت درجة بعيدة. وفي هذه الأثناء ضمرت وانكمشت فكرة الوحدة. فقد قوي شعور الانتماءات الاثنية والقبلية على حساب الانتماء الوطني والقومي.

بل صارت اغلب المجموعات ترى ان الوضع الراهن هو أفضل الأوقات لانتزاع المطالب الجهوية والقبلية. وهكذا تم الفصل بين التعدد والوحدة، وأصبح الإقرار أن السودان بلد متعدد وذريعة لتعميق الاختلافات

تراجعت السياسة لصالح الاثنية وهذا مخطط قامت به الإنقاذ بهدف إضعاف الأحزاب السياسية.

فمن الملاحظ أن اغلب النزاعات الاثنية تفاقمت في مناطق نفوذ حزب الأمة (دارفور) والاتحادي الديمقراطي (البجا وشرق السودان عموما). ولكن هذا المخطط ذهب بعيدا وفلت من يد صاحبه وارتد عليه وأصبح النظام عاجزا عن إعادة الجن إلى قمقمه.

ولم تعد الاثنية تهدد الأحزاب وحدها بل تهدد وجود الدولة ووجود النظام نفسه. ويتحول التعدد إلى تفتيت وشرذمة وتذرير للوحدات الاثنية والإقليمية المكونة للسودان الطبيعي. انتقلت عملية الاثنية إلى مجالات كثيرة في الحياة العامة. وتكاد تكون ظاهرة رسمية معترف بها.فقد أصبح من العادي أن تجد في استمارات حكومية خانة عن القبيلة من بين الأسئلة المطلوب تعبئتها.

وجاء في الأخبار هذا الأسبوع أن خلافا قد نشب بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني الحاكم حول كتابة سؤال عن القبيلة والدين. وللمفارقة تصر الحركة الشعبية علي إضافة هذا السؤال! وعاد الناس من مستوى الحياة اليومية إلى الاهتمام ب:ـ أنت من وين؟ ويتحدث المواطنون عن سيطرة قبيلة معينة على السلطة بينما في الواقع يطارد النظام أعدادا كبيرة من أبناء هذه القبيلة.

كان من المتوقع ان يكون النظام الفيدرالي وسيلة جيدة لإعادة تقسيم السلطة والثروة وبالتالي إضعاف كل أشكال التعصب القبلي او الإحساس أن النظام يريد تعميق النزاعات من خلال توظيف النظام الفيدرالي سلبيا. وقام بتقسيم السلطة والثروة على خطوط قبلية جديدة أحيت كل مشاعر العشائرية والقبلية بقوة. وأعاد النظام للوجود مبدأ الإدارة البريطانية القديم:ـ فرّق تسد.

وتم استغلال النظام الفيدرالي في منح الأقارب امتيازات جديدة، وتفضيلهم في الفرص والتسهيلات، وتكوين شلل ونخب جديدة أكثر نهما وفسادا..وأصبح النظام الذي افترض فيه أن يقضي على العصبيات القبلية، يعيد إنتاجها بصورة احدث واقوى. وهكذا تحول الحكم الفيدرالي إلى أداة فرقة وتنافر عوضا عن أن يكون وسيلة تكامل لعناصر التنوع والتعدد التي تميز السودان.

كما تحول التعدد الحزبي إلي تشرذم ولم تعد الاختلافات الايديولوجية والسياسية بين الأحزاب واضحة المعالم. وتدهور الأمر أكثر من ذلك بسبب الانشقاقات والانقسامات الداخلية في الحزب الواحد. فالحزب الاتحادي الديمقراطي يضم أكثر من خمس مجموعات وأجنحة متنافرة. وانقسم حزب الأمة إلى جناحين ثم انقسم الجناح المنشق إلى ثلاث مجموعات!

إلى أحزاب قوية ولكن التشرذم الحادث الآن في السودان لا يمكن أن يسمى تعددية بأي حال من الأحوال. يخشي المرء أن يضيف السودانيون فشلاً جديداً إلى سجلهم الإخفاق بعجزهم عن الإفادة من مزايا.. ونعم التعدد والتنوع.