لن تتوقف الصدامات الفلسطينية بصورة نهائية وختامية طالما بقي قسم من القيادات العليا المتنفذة دورهم السياسي الأوحد هو منع المقاومة الوطنية ضد الاحتلال انطلاقاً من التزامهم نحو إسرائيل بموجب اتفاق أوسلو. ولنستذكر أن لهذا الالتزام خلفية تاريخية.
في كتابهما التوثيقي المرجعي يقول الصحافيان البريطانيان أندرو جوارز وتوني ووكر إنه عندما تصاعدت موجات الانتفاضة الأولى واتسع نطاقها عند أواخر عام 1987 كان قادة منظمة التحرير الفلسطينية المقيمون في تونس آنذاك برئاسة ياسر عرفات يلهثون من أجل ملاحقة النقلات المتسارعة للانتفاضة. فقد كان اندلاع الغضب الشعبي المنظم داخل الأرض المحتلة مفاجأة لهم.
ويمضي الكاتبان في السرد فيذكران أن قيادة المنظمة أنشأت «لجنة تنسيق» لإظهار اهتمامها بمجريات الانتفاضة لكن الكتاب ينقل عن أحد أعضاء هذه اللجنة ـ ويدعى سليمان النجاب ـ أنه بينما كان الهدف المعلن هو دعم الانتفاضة
إلا أن قيادات منظمة التحرير كان يساورهم قلق مشوب بمشاعر ارتياب من أن شباب ناشطي الانتفاضة داخل الأرض المحتلة ربما كانوا يسعون لإنشاء قيادة فلسطينية بديلة عن قيادة منظمة التحرير. كان هذا كابوساً لرجال المنظمة في تونس.. يقول النجاب.
ويقول الكاتبان ان مشاعر القلق لدى قادة المنظمة كانت تتضاعف مع تصاعد المد الانتفاضي وكلما اتضح أن كوادر الانتفاضة أشد تصميماً من «مناضلي العواصم العربية» في معارضتهم للاحتلال الإسرائيلي ومجابهته وأكثر استعداداً للتضحيات.
ويضيف الكاتبان أن رماة الحجارة وقيادتهم السرية أظهروا أقوى أشكال المقاومة الفلسطينية خلال أكثر من عشرين عاماً (آنذاك) من الاحتلال الإسرائيلي. ويمضي الكاتبان في هذا السرد التاريخي فيذكران أنه إذا كان الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال قد أخذ زمام المبادرة فإنه كان أيضاً يطالب بعمل سياسي موازٍ من قيادة المنظمة في تونس.
فقد كانت هناك حاجة إلى مبادرة سياسية تتماثل مع التضحيات العملية الميدانية التي صارت تحظى بتعاطف عالمي متصاعد. أجل.. لقد تحركت قيادة منظمة التحرير لاتخاذ مبادرة سياسية لكنها كانت مبادرة في اتجاه آخر.
فقد أراد رجال المنظمة تحقيق مكاسب ذاتية عن طريق بيع الانتفاضة، وهذا ما ثبت لاحقاً. فقد كان إجهاض المنظمة للانتفاضة وتنفيسها المقدمة الأولى للولوج على طريق أوسلو. في أوسلو عام 1993 وقع قادة منظمة التحرير على صك يتعهدون فيه بنبذ المقاومة المسلحة إلى الأبد، لكنها قبل ذلك كانت قد أعلنت من على منبر الأمم المتحدة الاعتراف بإسرائيل مقدماً دون مقابل.
هكذا وعلى أساس هذا المفهوم توافد قادة المنظمة من تونس إلى الأرض المحتلة في عام 1994 ليقيموا بموجب اتفاق أوسلو «سلطة وطنية فلسطينية» ينحصر دورها في إنشاء أجهزة أمنية لا واجب لها سوى قمع فصائل المقاومة في إطار «تنسيق أمني» مع الأجهزة الإسرائيلية.
من هنا تكون حتمية الصدام الدموي بين قوات السلطة الفلسطينية وقوات المقاومة، ومن هنا أيضاً نفهم إعلان شمعون بيريز نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي في مؤتمر صحافي ان إسرائيل على استعداد لتقديم المساعدة لرئيس السلطة الفلسطينية «في قتاله ضد الإرهابيين».