بالنهاية حصل المتوقع والمنتظر وطار ولفوويتز من رئاسة البنك الدولي. لا فرق كيف: «استقال» بصفقة تحفظ ماء الوجه، «رضخ»، «انحنى للعاصفة»، تمت إقالته بصورة ملتوية، النتيجة واحدة. فالرجل دفع ثمن سلوك وظيفي فاضح ويتضارب في الصميم مع دور المؤسسة التي يرأسها.
حاول وفعل المستحيل لتجاوز فعلته. كما حاول البيت الأبيض إنقاذه. لكن الضغوط الدولية كانت أقوى من محاولات إنقاذه. فضيحة المحاباة، التي ارتكبها بزيادة راتب صديقته العاملة في البنك ومنحها علاوة فلكية، كانت من العيار الذي لا يسمح بالتعويم.
وهي نهاية منطقية ومنصفة. حماية المؤسسة أهم من حماية الشخص. كما أن تدفيعه كلفة الشطط غير المقبول الذي مارسه، فيه رسالة وعبرة.بيد أن ذلك ليس كل شيء. عملية التصحيح يجب أن تتجاوز المخالفة وصاحبها، لتصل إلى الخلل الأبعد والأساس.
فالتعيين في هذا المنصب الحساس يحصل على أساس المحاصصة، القريبة من الاحتكار وهنا يكمن العطب الجوهري. صاحبه، إذ ذاك يتصرف على أساس أنه صاحب امتياز وحصانة احتكارية. وبالتالي يحق له ما لا يحق لغيره. ومن هنا الدعوات والمطالبات المتعالية الآن بضرورة كسر هذا الاحتكار.
نشأ البنك الدولي وتوأمه صندوق النقد الدولي، عام 1944؛ باتفاقية بريتون وودز. الهدف كان أن تلعب هاتان المؤسستان دور صمام الأمان الضامن لاستقرار النظام المالي الدولي والحيلولة دون وقوع انهيارات مالية مدمرة. حينذاك حصل تفاهم بالتراضي على أن يكون منصب رئاسة البنك من نصيب الأميركيين؛ ورئاسة الصندوق للأوروبيين.
بقي معمولاً بهذه القاعدة حتى اليوم. آخر مدير ـ ولفوويتز المستقيل! ـ جاء تعيينه، قبل سنتين، لاعتبارات سياسية. كان من بين فريق الرئيس بوش. شغل منصب نائب وزير الدفاع رامسفيلد ومن هناك رحل إلى البنك الدولي. أتى من عالم السياسة إلى عالم المال والتنمية الدوليين. لا خبرة ولا خلفية، في هذا المجال فقط لأنه محسوب على البيت الأبيض، ولأن المنصب محفوظ لمن يختاره الرئيس الأميركي.
مخالفة زيادة الراتب التي ارتكبها وأطاحت به، فتحت العيون على الامتياز الأميركي، في البنك. ويبدو أن هناك نوعا من التململ الدولي المزمن، في هذا الخصوص. جاءت الفضيحة وفجرته؛ على أساس أن هناك غبنا صارخا؛ ناهيك بالاستئثار.
في البنك 185 دولة عضو لهم تعود صلاحية تعيين رئيسه لكن بالنهاية واشنطن التي تقرر، بتقديمها مرشحها للوظيفة. وبذلك الترشيح يحسم الأمر. مؤسسة «اوكسفام» بادرت إلى المطالبة بإلغاء القاعدة المعمول بها والتي تحصر الرئاسة بأميركي وذلك من باب أنها «تضعف البلدان الفقيرة وهي أكبر زبائن البنك والصندوق».
كما رأت أن «على الولايات المتحدة وبقية الدول الغنية الآن، الإثبات بأنها جادة هذه المرة بخصوص تعيين رئيس جديد للبنك، على أساس الكفاءة والشفافية».إذا كان من درس لتجربة ولفوويتز، فهذا هو. فربّ ضارة نافعة. لطخة الفساد التي ضربت البنك الدولي لا يستقيم تعويضها بالاكتفاء بإطاحة مسؤول واحد. المطلوب معالجة الخلل الذي تسبب بها.