المنتصرون هم الذين يصنعون التاريخ، لكن المهزومين يساهمون هم أيضا في صنع التاريخ. إنهم شرط لاستمرار مسيرته، و«القطب السالب» الضروري لانطلاق محركه. فدونهم محكوم عليه ب«الانتهاء». نغمة «نهاية التاريخ» هذه كنا قد سمعناها كثيرا - لكن ليس «طويلا» - إثر انهيار جدار برلين في شهر نوفمبر من عام 1989، وبعده انهيار المعسكر الاشتراكي له بما في ذلك «طليعته» الاتحاد السوفييتي (السابق).

تلك النغمة صاغها المفكر الأميركي، ذو الأصل الياباني، فرانسيس فوكوياما في كتابه الشهير: «نهاية التاريخ والرجل الأخير». لقد اعتبر أن الرأسمالية بنسختها الليبرالية، قد انتصرت مرّة واحدة وإلى الأبد، كي يسود بعدها قانون المنتصر، ويسود معه السلام والهدوء في العالم. لم تصمد «نغمة» فوكوياما طويلا، إذ خفتت، وتقطّعت، ثم انقطعت أمام دوي أصوات القنابل والتفجيرات في الكثير من أنحاء العالم، بما في ذلك في الولايات المتحدة نفسها. لم يعم السلام والهدوء، و«لم ينته» التاريخ. ولا تزال هناك معارك، من كل الأشكال والألوان، ومن تلك التي تدمّر إلى تلك التي تبني، وذلك على صعيد نهر التاريخ الإنساني «العريض» كما على صعيد الروافد الصغيرة في مختلف المناطق والبلدان. كانت فرنسا قد شهدت في الفترة الأخيرة معركة بين معسكرين، لكن دون أسلحة سوى الأفكار والحجج وحول رهان واحد هو الفوز برئاسة الجمهورية.

خرج معسكر اليمين منتصرا في الجولة الأخيرة الحاسمة يوم 6 مايو الماضي وأصبح مرشحه نيكولا ساركوزي هو الرئيس السادس للجمهورية الفرنسية الخامسة بعد شارل ديغول وجورج بومبيدو وفاليري جسكار ديستان وفرانسوا ميتيران وجاك شيراك. وانتصر معسكر اليمين وانهزم معسكر اليسار تحت قيادة سيغولين روايال. كان القادة العسكريون اليابانيون ينتحرون إذا انهزموا. وكان ذلك استثناءً «متطرفا» للقاعدة المعروفة في عالم المعارك والقائلة أن قيادات الجيش المهزوم تتقاتل فيما بينها وتعرف سلسلة من التصفيات. هكذا ما أن حُسمت المعركة حتى استلّ منافسوها على قيادة الحملة الانتخابية في معسكرهم «الخناجر» و«تنافروا» من أجل تحميلها مسؤولية الهزيمة و«تصفية» حساباتهم معها.

قامت سيغولين روايال بحملة انتخابية جيدة بشهادة الجميع بما فيهم خصمها نيكولا ساركوزي الذي أثنى على شجاعتها وإقدامها في كلماته الأولى بعد فوزه بالرئاسة، وبشهادة الجميع أيضا كانت العوائق الحقيقية التي صادفتها مصدرها معسكرها. اتهمها العديد من القادة المخضرمين في الحزب الاشتراكي منذ البداية بعدم الكفاءة، بل بالسذاجة. وأصبحوا يترصدون أية هفوة ترتكبها. وبدلا من الالتفاف حول «بطلتهم» تنبأوا بهزيمتها، بل حلموا بها. ولم يكتف أولئك الذين كان يُفترض أن يكونوا قوتها الضاربة بالنقد وتوجيه الضربات في الظهر بل هرب عدد منهم من ميدان المعركة، وأحيانا إلى معسكر الخصم، كما فعل اريك بيسون مستشارها للشؤون الاقتصادية لفترة طويلة.

لقد قادت روايال المعركة الانتخابية بهمّة الرجال الأشداء، فاجأت الجميع بقدرتها على المقاومة والصمود. إنها قادت في الواقع معركتين، إحداهما معلنة ضد منافسها نيكولا ساركوزي الذي أظهر براعة كبيرة وعرف كيف يعبئ «آلة الحرب» داخل معسكره حتى الفوز، والأخرى خفية ضد رفاق دربها. ومنذ اللحظة التي فرضتها فيها قواعد الحزب الاشتراكي مرشحة باسمه. وكان ذلك الترشيح، بحد ذاته، بمثابة «ثورة صغيرة» قامت بها تلك القواعد عندما راهنت على «فرس ليس لها حظ كبير بالفوز» مبدئيا وليس على «الأحصنة المتمرسة والأوفر حظا» في السباقات.

ربما أن سيغولين روايال لم تعرف، أو لم تستطع، أن تتجاوز بعض الخطوط الحمراء التقليدية. ولم تقم تحالفا استراتيجيا في الوقت المناسب مع تيار الوسط الذي برز كقوة جديدة يمكنها أن تجعل الميزان يميل إلى هذه الكفة أن تلك. لم تفعل ذلك رغم أن أصواتا عديدة من الحزب الاشتراكي ذاته، وليس أقلها شأنا ميشيل روكار، رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق قد حثّها على ذلك.

في المحصلة بدت سيغولين روايال مثل نفحة جديدة متجددة في الجسد الاشتراكي الفرنسي المترهل والذي بدأت تظهر عليه أعراض التفسخ. ويمكن أن تشكل الانتخابات التشريعية يومي 10 و17 يونيو المقبل ضربة قاضية له. غدا تفسخه مسألة وقت، إذ يرتسم في الأفق بروز معسكر جديد مناهض تماما لمفهوم وجود «كتلة» يمينية ضد «كتلة» يسارية. ذلك أن ال17 مليون فرنسي الذين اقترعوا لصالح سيغولين روايال يتجاوز عددهم يعدة ملايين قوة اليسار التقليدي ومعه اليسار المتطرف. هناك إذن عملية «إعادة تشكيل» للمشهد السياسي الفرنسي مع وجود حزب اشتراكي «حقيقي» وحزب ديمقراطي وسطي يضم شرائح من تيار وسط اليمين ومن الحزب الاشتراكي الحالي.

الصحف والمجلات والملاحق ونشرات الأخبار المرئية والمسموعة كان لها، بعد إعلان النتيجة النهائية مباشرة، موضوع واحد هو الرئيس الجديد نيكولا ساركوزي. كيف يتحرك؟ وماذا يأكل؟ وماذا قال؟ وماذا قالوا عنه؟ باختصار عشرات بل مئات وآلاف المقالات تكرست له ولسيرة حياته منذ أن حبا إلى أن أصبح رئيسا للجمهورية. بينما لا أحد يهتم بقائدة المعسكر المهزوم سيغولين روايال.

هذا إذا لم تكن سلسلة من الهجومات عليها والتفنن بنقدها، وصولا إلى إصدار كتاب عنها يحمل عنوان «المرأة الشؤم» حيث يتم نعتها بأشنع الأوصاف وأقساها ورسم صورتها كأنها «الشيطان يتجسد بثياب امرأة». إنها مهزومة، والمهزوم «يستحق» ما يوجّه له من طعنات فهو يحمل «عار» الهزيمة. بالطبع ستكون الصورة معكوسة لو غيّر النصر من معسكره. لكن، ولحسن الحظ، يخسر المهزوم في الإطار الديمقراطي معركة، لكن تبقى هناك «معارك» أخرى في حرب مستمرة من أجل تناوب السلطة. ليس هناك إذن «منتصر أبدي» و«مهزوم أبدي»، وبالتالي هناك «تاريخ» بمعنى ما.

أمّا في ظل الدكتاتورية ليس هناك منتصر ومهزوم. هناك منتصر فقط فالمهزوم يُباد أو يموت في إحدى الزنزانات المظلمة مثل الجرذان، وانتفاء وجود المنتصر والمهزوم يعني انتفاء «التاريخ». لقد انتصر نيكولا ساركوزي وأصبح رئيسا للجمهورية الفرنسية. لا أحد يشكك في ذلك، وشرعيته كاملة باسم أغلبية الفرنسيين الذين أولوه ثقتهم. لكن هل كان ذلك هو الخيار الأفضل؟ مسألة تحتاج إلى نقاش. فالمنتصر ليس دائما على حق، والخاسر ليس دائما على خطأ. تستحضرني الآن جملة قالها الزميل الإعلامي عماد الدين أديب أثناء بث تلفزيوني مؤخرا قال فيها بكثير من الطرافة و«الدهاء»: إننا ديمقراطيون في العالم العربي، إذ نستطيع أن ننتقد بكل حرية الرئيس الأميركي... وليسمح لي أن أضيف... والرئيس الفرنسي أيضاً.

كاتب سوري ـ باريس