ما حدث ويحدث على الأرض الفلسطينية مدعاة للتساؤل عن حقيقة الخلاف، وعن حقيقة ما يقال عن أدوار خارجية تذكي الصراع بين الفصائل وعن جدارة هذه الفصائل نفسها بتحمل مسؤولية دولة أو أمانة شعب؟
صحيح أن اتفاق مكة الأخير استطاع ردم الهوة بين الفصائل، وصحيح أيضاً أننا لا نشكك في نوايا من وقعوا الاتفاق ولا في توجه من حاولوا تنفيذه على الأرض، لأن الاتفاق جاء في محاولة لحماية المصلحة الفلسطينية العليا واعتبار الدم الفلسطيني خطاً أحمر، لكن يبدو أن هناك مستفيدين وللأسف من داخل الأراضي الفلسطينية ذاتها، ليكون الوضع .
كما هو عليه الآن، ولن نخجل أو نخاف من القول بأن طابور العملاء في داخل الأرض الفلسطينية أكبر بكثير مما نتوقع.إسرائيل هي المستفيدة الأولى، ولربما انتقد إسرائيليون أنفسهم حكومتهم التي أقدمت على قصف غزة في الأيام الماضية، باعتبار أن مسؤولية القتل يتولاها الفلسطينيون الآن بكل كفاءة، وأن من سقطوا بفعل الاقتتال الداخلي في ساحات وشوارع غزة أكثر من شهداء القصف عشر مرات.
وإسرائيل التي أوعزت لسفاراتها بالتمهيد لحملات إعلامية تشرح مبرراتها، ليست في حاجة الآن لهذا الشرح، لأن «الأخوة» الذين يتقاتلون في الشوارع، ويمارسون التصفيات الجسدية، ومنهم من يضع علامات إرشادية على سيارات وبيوت المطلوبين لدى الدولة العبرية لتسهيل قصفها، وهم أنفسهم هم الذين أرشدوا عن الشيخ أحمد ياسين.
والرنتيسي والشقاقي وغيرهم، وهم أنفسهم الذين يحضرون السلاح ليقتلوا ويفجروا وينسفوا كل أحلام البسطاء المحرومين والباحثين عن كسرة خبز أو فرصة عمل ولو كانت داخل الدولة العبرية سواء في بناء المستوطنات أو الجدار العازل.. إنها مفارقة البحث عن فرصة حياة وتأمين وجبة طعام في النهار وإدانة المستوطنات والجدار في الليل.
ثمة مفارقات مأساوية في الوضع الفلسطيني، يبدو أن هؤلاء المتصارعين لم يعوها حتى لو لبسوا أثواب النضال، وثمة مخجلات مضحكات مبكيات قاتلات قتيلات، وثمة سؤال صارخ أيضاً: هل يستحق مثل هؤلاء دولة؟ وهل يمكن ائتمان مثل هذه الميليشيات الملثمة في الشوارع على أمن شعب ومواطن مغلوب على أمره؟ وهل هذه هي ثمرة الكفاح ونتيجة أقسى ضريبة عرفتها البشرية في التاريخ الحديث؟نترك الإجابة لأنها بالتأكيد مخجلة ومقرفة.. حتى اسألوا الطابور الخامس؟